العَلْمانية – بفتح العين وسكون اللام – لا صلة لها بالعلم كما ينطقها البعض بكسر العين للتلبيس بنسبتها إلى العلم، فالمعنى الصحيح لهذا المصطلح هو الفصل بين الدين والدول، بل بتعبير أدق: الفصل بين الدين والحياة، وعدم المبالاة بالدين أو الاعتبارات الدينية مطلقًا، ونزع القداسة عن المقررات والتعاليم والمبادئ الدينية والتعامل معها باعتبارها موروثًا بشريًا، وقصر الدين على جانب الشعائر التعبدية الفردية، وإقامة الحياة على غير منهج الله، سواء بالنسبة للدولة أو للأفراد. وهذا المعنى تجده مقررًا في دوائر المعارف الغربية، لكنه لا يثير إدراكهم على هذا النحو من الحساسية أو الالتباس كما أثاره في بلادنا العربية والإسلامية بسبب تجاوزات الكنيسة في عصور أوروبا المظلمة، التي دفعت الناس إلى الثورة عليها وعلى قساوستها ورهبانها وتعاليمها وكل ما هو ديني.

والعَلمانية في جذورها الأوربية لا علاقة لها بالعِلم، فهي في اللغة الإنجليزية (Secularism) وهذا التعبير لا صلة له بالعِلم كما هو واضح، فالعِلم في كل من الإنجليزية والفرنسية (Science)، والمذهب العلمي يطلق عليه (Scientism)، أما هذه الكلمة (Secylarism) فهي اللادينية أو الدنيوية، ونسبتها إلى العِلم نسبة خاطئة لعدم وجود صلة بين العلم وهذا المصطلح (العلمانية) في جذوره الأوربية، وهذا تجده مقررًا بوضوح في دوائر المعارف الغربية.

فقد جاء على سبيل المثال في دائرة المعارف البريطانية (9/19) تحت مادة ( Secularism): «هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت (Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامعهم في هذه الدنيا القريبة، وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية». ([1])

وفي معجم أكسفورد جاء في شرحه لكلمة (Secular):

أ – دنيوي أو مادي، ليس دينيًا ولا روحيًا: مثل التربية اللادينية في الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.

ب – الرأي الذي يقول إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسًا للأخلاق والتربية.

وفي معجم ويبستر «Webster» جاء تعريفها: «هي رؤية للحياة، أو في أي أمر معين يعتمد أساسًا على أنه يجب استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها، ومن ثم فهي نظام أخلاقي يعتمد على قانون يقول: بأن المستويات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعيشية والرفاهية الاجتماعية دونما الرجوع إلى الدين».([2])

وفي معاجمنا العربية كذلك نجد أن مصطلح العَلمانية ليس له علاقة من حيث الاشتقاق أو المعنى بالعِلم، فعلى سبيل المثال فقد أدرج مجمع اللغة العربية في المعجم الوسيط من باب المعاصرة بإدراج معاني بعض المصطلحات التي شاعت في المجتمع، جاء فيه عن معناها: «العَلمانية مشتقة من العَلْم بمعنى العَالم أو الدنيا، والعَلماني هو خلاف الديني أو الكهنوتي». ([3])

وتختلف الدول والأفراد أصحاب الاتجاهات العلمانية في موقفهم من الدين، فالبعض يسمح به وفق المفهوم الضيق له كالمجتمعات الديمقراطية الليبرالية التي تسمي منهجها بـ(العلمانية المعتدلة – NonReligious)، أي أنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين، وفي المقابل فهناك ما يسمى بـ(العلمانية المتطرفة – Anti Religious )، أي المضادة للدين المعادية له.

وبدهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين المسميين، فكل ما ليس دينيًا من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما، كما أن العلمانية بمفهومها الشامل لا تقف عند مجرد الفصل بين الدين والحياة، بل لها موقف سلبي من الدين من جهة، ومن جهة أخرى لها مفهوم فلسفي يتعلق باستقلال العقل في قدرته عن الوحي وكل ما هو ديني([4])، هذا المفهوم الفلسفي له أسسه القديمة منذ عهود الفلاسفة الرومانيين واليونانيين أو حتى قبل ذلك.

فالفيلسوف اليوناني إبيقور (341-270 ق.م) الذي ينسب بعض الباحثين إليه جذور العلمانية كان يرى أن الغاية من دراسة الطبيعة هي العيش بأمان تجاه الآخرين والأشياء، بيد أنّ هذه الغاية لا يتوصل إِليها إِلاّ من لا يخاف؛ لا من الأساطير الأخروية، ولا من الظواهر الطبيعية، ولا من الموت، ولا حتى من الآلهة. وانتقل هذا المفهوم لتلامذته وأتباعه، فعند الإبيقوريين كل شيء في العالم يمكن توضيحه من دون حاجة إِلى إِقحام الآلهة.

وخلال عصر ما يسمى بعصر التّنوير الأوربي ظهرت آراء العديد من الفلاسفة والمفكرين وأعلام الفكر الحر تؤسس لهذا الاتجاه، واشتهر من بينهم الفيلسوف الإنجليزي التجريبي والمفكر السياسي «جون لوك» (1632م – 1704م) الذي انتقل بمفهوم العلمانية من الصورة النظرية إلى التطبيقات العملية في الحياة السياسة والفكرية والاجتماعية والأخلاقية، بعد أن أدت تجاوزات الكنيسة وقساوستها إلى اتجاه كاد يعصف بفكرة الدين بالكلية، حاول «جون لوك» التوسط في الصراع بين البرجوازية والعلماء من ناحية وبين السلطة الكهنوتية الكنيسة والأمراء من ناحية أخرى، فتبنى المنهج التجريبي واعتمد على نهاياته المنطقية، ووضع الإيمان والوحي والمعجزات تحت محكمة العقل الإنساني.

إن محاولة ربط العَلمانية بالعِلم نوع من الغش والتدليس الفكري وتسمية الأشياء بغير مسمياتها، وهذه المحاولات ليست بجديدة فمنذ أن عرفت مجتمعاتنا العربية والإسلامية هذا المصطلح حاول دعاة العلمانية إلباسها لباس العلم والرقي والتحضر، ليتسنى لهم ترويج مشروعهم العلماني وبضاعتهم الخبيثة ويسهل عليهم اختراق عقول من يمضون وراء كل ناعق، مما دفع الأديب زكى نجيب محمود منذ سنوات إلى كتابة مقال في جريدة الأهرام تحت عنوان «عين – فتحه – عا»  أي عَلمانية بفتح العين وليس بكسرها، ليرفع هذا اللبس ويقطع نسبتها إلى العلم.

فليس مفهوم العلمانية ومدلولاتها كما يزعم كثير من أصحاب هذا الاتجاه بأنها تعني استخدام العلم والعقل، بل إنها باختصار إقصاء الدين من جميع مجالات الحياة، وإحلال منظومة من القيم والأخلاق والمعايير والتصورات الإنسانية الوضعية في مقابله.

ومن الحيل الأخرى التي يروج لها العلمانيون للتخفيف من وطأة مصطلح العلمانية ومدلولاته؛ الترويج بأن العلمانية ليست نقيض الدين ولا ضده، بل تتناول جانبًا محدودًا من جوانب الحياة وهو الجانب السياسي «فصل الدين عن السياسة» أو بعبارة أخرى «لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة». وهذا اختزال وتبسيط مخل لمعنى العلمانية، فجذور العلمانية أعمق من ذلك بكثير، فحقيقتها وتطبيقاتها ومجالاتها لا تتوقف على الجانب السياسي فحسب، بل هي شاملة لجميع شئون الحياة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو فكرية أو اجتماعية أو أخلاقية أو ثقافية أو تربوية أو غير ذلك([5])، إنها باختصار مشروع بديل عن منهج الله وسلطته وتعاليمه وأوامره ونواهيه، ليس في مجال دون مجال أو جانب دون جانب، بل في كافة مناحي الحياة.


([1])Ency. Britannica vol IX p.19

([2]) علماني وعلمانية .. تأصيل معجمي لأحمد فرج – ص136-137

([3])المعجم الوسيط – صادر عن مجمع اللغة العربية – ج2– مطبعة مصر– سنة 1961م

([4]) راجع:»موقف الإسلام من العلمانية» د.صلاح الصاوي– ص4، و»العلمانية..نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة» د. سفر بن عبد الله الحوالي– ص21-24

([5]) للمزيد من الإيضاح انظر: «العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق» د. بهي الخولي، «سقوط العلمانية» د. أنور الجندي، و»العلمانية..نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة» د. سفر بن عبد الله الحوالي، و»التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم» – منى محمد بهي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد