كتبت من قبل عن أخلاق الإعلام المصري، المتمثل في سيل الشتائم والسباب الذي يوجهه صحفيون ومذيعون يوميًا ضد خصوم السلطة الحالية. أو من يتجرأ ويفتح فمه بأي انتقاد لها.

هذه المرة أتناول ظاهرة أخرى ترتبط حصريًا بالصحافة المصرية، بعدما بلغ تألقها ذروته، ووصل إلى درجة ابتكار مصطلحات إعلامية جديدة، الأمر الذي شكَّل فتحًا جديدًا يصل بالصحافة إلى آفاق لم يبلغها أحد.

وحتى نساعد غير المتابعين لصحافتنا المصرية البديعة على فهم التطورات التي لحقت بها في الفترة الأخيرة، نقدم للسادة القراء بعضًا من هذه المصطلحات الجديدة، وذلك حتى تعم الفائدة، ويدرك هؤلاء أي عظمة بلغها إعلام مصر.

أول هذه المصطلحات بالطبع يجب أن يكون “العنتيل”، وهي كلمة دارجة ليست لها أصول عربية، وتستخدم بمعنى الرجل شديد القوة الجنسية، متعدد العلاقات مع النساء. وقد أدخلها الصحفيون المصريون في سياق تغطيتهم لقضايا اجتماعية شديدة المأساوية، تتعلق بقيام شخص بإقامة علاقات متعددة مع النساء، وتصويرهن دون علمهن.

بدأت الصحافة المصرية في استخدام هذا المصطلح بداية من قضية مدرب الكاراتيه في مدينة المحلة، الذي أقام علاقات مع العديد من السيدات، وتسربت مقاطع الفيديو التي قام بتصويرها، وشكلت فضيحة هزت مدينة المحلة.

لا يمكن الجزم على وجه التحديد بهوية أول وسيلة إعلامية استخدمت هذا اللقب، لكنه تكرر مع تفجر قضايا من هذه النوعية، ووجدنا الصحف تتبارى في “تأريخ” ظاهرة العناتيل، حتى وصل عددهم وفقا للصحافة المصرية إلى أربعة في محافظة الغربية وحدها. خاصة أن واحدة من هذه القضايا شكلت فرصة نموذجية للاستغلال السياسي وملء الصفحات وساعات البث، كون المتهم فيها ملتحيًا.

فسرعان ما حولوه إلى قيادي بحزب النور السلفي، وتباروا في نشر صور متعددة مأخوذة من الفيديوهات الأصلية، وكأنها تشجع القراء على البحث عن المقاطع الأصلية الكاملة، وهي صور جعلت منه أكثر القضايا بحثًا على شبكة الإنترنت. وأتحفتنا الصحف بمتابعات وتصريحات من جيران المتهم وعائلته وأصدقائه وكل من يمت له بأدنى صلة.

لم تتوقف الصحف المصرية أمام تكرار الظاهرة، ولا حاولت الالتزام بأي معايير مهنية أو أخلاقية، بل تناولها الجميع بنشوة واضحة وسرور لم يخفَ على أحد، رغم جدية القضية والخراب الذي سيحل على عشرات الأسر بسببها.

نجاح سلسلة “عناتيل” مصر في جذب القراء، جعل الصحافة المصرية تتوسع في تسليط الضوء على “العناتيل” الآخرين على المستوى الدولي، وبدأت بنشر قصة عن مدرب لياقة بدنية إسرائيلي، قام باغتصاب 16 فتاة كن يتدربن لديه.

استخدام كلمة “عنتيل” له دلالات كارثية على عدة مستويات؛ فالكلمة لها مدلول إيجابي للغاية، رغم أن القضية مأساوية، فهي تشير إلى القوة والفحولة والرجولة، وكأنها دعوة للرجال لاتباعه وفعل نفس ما يقوم به للحصول على اللقب.

 

أما المصطلح الثاني، فهي كلمة “مزز”، وهي كلمة دارجة مثل سابقتها، لا تستخدم إلا في سياق حديث العامة في الشوارع، وتعني السيدة الجميلة، لكن في إطار الحرب بين المواقع الإخبارية، والصراع بينها لاستقطاب الزوار والتفوق في معدل الزيارات، أباحت هذه المواقع لنفسها استخدام كافة الوسائل. ونشر موقع “اليوم السابع” تقريرًا عن أبرز 10 مصارعات يرى أنهن الأحق بهذا اللقب.

المصطلح الثالث انفردت به صحيفة اليوم السابع أيضًا، حيث كان لها السبق في استخدامه، بعدما نشرت ملفًا كاملا عن “ليلة الدخلة” بين العروسين، وأكدت أنها ستتناول كل ما له علاقة بما سمته “السيكو سيكو” كناية عن العلاقة بين الزوجين.

أما جريدة الأخبار العريقة، فلم تترك هذا المجال دون تقديم مساهمتها فيه، بعد احتفائها بمثل شعبي شهير ذي خلفية جنسية، وصنعت منه عنوانًا لخبر على صفحتها الثالثة. يتحدث عن رد المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، على ما قاله “أفيخاي أدرعي” المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في الذكرى الـ41 لحرب أكتوبر، حيث أكدت أن المصريين ردوا عليه بشكل قاطع وحاسم قائلين إنهم –المصريين- اصطحبوا الجيش الإسرائيلي خلف “مصنع الكراسي”.

مصنع الكراسي، أقامته الدولة في أواخر الخمسينات أوائل الستينات بمنطقة إمبابة في محافظة الجيزة، وتحول بعد إغلاقه إلى منطقة مهجورة، اتخذت بعد ذلك مقرًا للأنشطة المخالفة للقانون، مثل المخدرات والدعارة. فجاءت جريدة الأخبار لترد بهذا الشكل –الذي تصورته مفحمًا- على أفيخاي أدرعي.

وبعيدًا عن المصطلحات، فقد تسبب الصراع بين المواقع على الزوار في جعلها تتوسع في نشر أخبار الجنس والجرائم الشاذة، واستحوذت الممثلة “كيم كارديشيان” على نصيب الأسد من أخبار المواقع، وتحولت إلى ضيفة دائمة فيها، ولم يعرف المصريون تلك الممثلة إلا في سياق ربطها بالفضائح.

حتى إن مؤخرتها كانت بطلة رئيسية لأخبار عديدة نشرها موقع “دوت مصر”، الذي توصل إلى سبق صحفي خطير، وهو استخدام برامج معالجة الصور في تحسين صور مؤخرتها!

حتى إن أحد الزملاء الصحفيين اقترح ساخرًا إنشاء المواقع الإخبارية قسمًا مستقلا يتخصص في نشر أخبار تلك الممثلة.

هذه عينة بسيطة من أهم المصطلحات التي توصلت لها صحافتنا المصرية العريقة، على وعد برصد أي مصطلحات قادمة يُمكن أن تظهر في المستقبل، وأيضا حتى نؤرخ لهذه الفترة غير المسبوقة في تاريخ المشهد الإعلامي المصري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد