الفساد الإداري في دول العالم الثالث

لا تفتأ الأنظمة الحاكمة في دول العالم الثالث على ترديد مصطلح مكافحة الفساد، وهو مصطلح في ظاهره ومضمونه دواء وعلاج لكل المشاكل التي تعاني منها تلك الأمم، فعندما ترى دولًا تمتلك المقدرات التي تخرج من الأرض، وتمتلك القوة العلمية والعقلية التي تخترع وتبدع وتمتلك اليد العاملة الشابة التي تنتج وتبني، فإن الطبيعي أن ترى تلك الأمة مستقرة اقتصاديًّا بحد أدنى، فالله تعالى تكفل لكل مخلوق بالرزق، وهذا أمر قطعي، فكيف يحصل أن ترى أممًا جائعة، وترى المجاعات تنتشر هنا وهناك وخصوصًا في منطقة آسيا وأفريقيا؟

إن خيرات الأرض لا تنضب بسهولة، ومن يقول أننا لا نملك الموارد الكافية لإنعاش الاقتصاد هو مخطئ، فأين المشكلة؟ إنها في الإنسان نفسه، ابتداء بالنظام الحاكم، ثم منظومة المسؤولين من كبيرهم لصغيرهم، إضافة لانتشار الظلم والمحسوبية، والقهر، وتقديم مصطلح نعمة الأمان على مصطلح مكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي.

صدق المثل القائل: اذا كان رب البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص، ففي كثير من الدول الفاسدة ليس للحاكم ميزانية معروفة عندما تطرح وزارة المالية الموازنة في بداية السنة المالية، لماذا لأنه يأخذ من الميزانية بلا حساب، ويتسرب ذلك لمن هم دونه من الأقارب وكبار رجال الدولة، فيقوم الآخرون بنفس العمل من سرقة مقدرات البلاد، وفي هذه الدول يوجد دائمًا مراكز قوى ونفوذ ممن هم يحيطون بالحاكم والذين يستغلون تلك العلاقة للحصول على تسهيلات أو عمولات أو شراكات بحكم نفوذهم، وفي ذلك لن تنجح في مشروعك ما لم يكن لهم من الطيب نصيب.

وفي تلك الدول يتم تأليه المسؤول باستخدام كل الفئات المؤثرة في المجتمع من رجال الدين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو حتى بوذيين، وكذلك الفنانين، ولاعبي الرياضات المختلفة ممن لهم معجبين كثر، وكل من سطع نجمه واتسعت شهرته يتم تجييره لخدمة أهداف النظام، وإذا ما رفض ذلك الشخص فإنه سيضيق عليه وقد يتم سجنه واعتقاله بعدة تهم ملفقة.

إضافة لذلك، فتلك الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة تستخدم ثلة كبيرة من الكتاب والصحفيين النفعيين الذين يكتبون المقالات ويزينون الصحف بعبقرية الحاكم فهو لا ينطق عن الهوى، وهو المحدث الملهم، ويسوقون أي مبادرة أو قرار من نظامه وحكومته، وطبعًا لا يحق لك الاعتراض لأن مصيرك تهم جاهزة ضدك، وسجن أسود في انتظارك وحتى لو لم تمس الذات الحاكمية، فمجرد التحدث عن الفساد هو تجريح بكل النظام الحاكم، وبالتالي أصبحت السرقة ثقافة سائدة ابتداءً من أكبر مسؤول لأصغرهم، فالكل يسرق إن استطاع إلى ذلك سبيلًا وبالقانون إن أردت ذلك أيضًا، بينما يتم زج اللصوص الصغار بالسجن ممن يسرق جرة غاز أو محفظة نقود ليطعم أولاده، وبالمقابل فإن اللصوص الحيتان لا يمسهم أحد لأن ظهرهم مسنود.

سرقة الأوطان لا تعرف دينًا أو عرقًا أو لونًا، فمن أراد أن يتحلى بالقيم الأخلاقية يستطيع ذلك بغض النظر عن أصله ونسبه وحتى دينه، فما بال الدول العلمانية الغربية تنتشر لديهم قيم وقوانين العدالة الاجتماعية حتى أصبحت سلوكًا يمارس في حياتهم وهم ليسوا على سبيل المثال مسلمين بل هم لا دينيين؟

للأسف فإنك ترى وزارات التربية والتعليم في كل دول العالم الثالث تعلم طلاب المدارس قيمًا أخلاقية كثيرة إضافة للعلوم الحياتية، ثم وبعد الخروج لمعترك الحياة يصطدم ذلك المواطن بأن كل ما درسه من قيم لا يتعدى الكتاب والامتحان، حيث إنه بعد ذلك يقوم بتمزيق الكتاب أو رميه بسلة المهملات.

إن هذا الأمر لا بد أن ينتهي، ولا بد لليل أن ينجلي و لا بد أن تتغير هذه الثقافة الفاسدة لتحل محلها ثقافة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ونظام تطبيق القانون على الجميع، ويكون النظام قائمًا على أساس إعطاء الحقوق وأداء الواجبات ورخاء المواطن ليسد احتياجاته الأساسية من مسكن ومطعم وصحة وتعليم ومرافق خدمية إضافة للأمن، وذلك بوجود إرادة حقيقية من النظام الحاكم لتلك البلاد، ثم إيجاد آليات مراقبة ومحاسبة لا تستثني أحدًا مهما بلغت مكانته، فالمسؤول الغربي لا يسرق لأنه يخاف من المحاسبة وليس لأن ضميره حي، وتحتاج الأمة لتشجيع الإنتاج والاكتفاء الذاتي من الأساسيات بأسعار في متناول يد المواطن وكذلك تحقيق التوازن ما بين سياسة التصدير والاستيراد، بحيث لا يطغى الاستيراد على التصدير وتغرق البلاد في مديونية للدول الأخرى مما يجعل قراراتها السيادية والدولية مرهونة لتلك الدول المانحة، فهل نستطيع فعل ذلك؟ أعتقد أن التاريخ المعاصر زاخر بالتجارب الدولية الناجحة في آسيا وأفريقيا، وتستطيع أي دولة أن تحذو حذوهم، وأملي أن تحصل الصحوة قبل أن تغرق الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!