هكذا وضع عالم الوبائيات البريطاني «ريتشارد بيتو» مفارقته الشهيرة. تحدث الطفرات الجسمية (somatic mutations) المسببة للسرطان أثناء الانقسام الخلوي، فكلما زاد عدد الخلايا في جسم الكائن الحي؛ زادت الانقسامات الخلوية، وزادت معها فرصة حدوث الطفرات السرطانية. فإذا كانت احتمالية حدوث السرطان نظريًّا تزداد مع زيادة عدد الخلايا في جسم الكائن الحي، وزيادة متوسط عمره؛ فإن الحيوانات الضخمة تكون معرضة للسرطان أكثر من الإنسان الأقل منها عددًا في خلايا الجسم ومتوسط العمر، غير أن الواقع لا يؤيد هذه الفرضية، فقد وجد أن فرصة الإصابة بالسرطان لا تختلف كثيرًا في الإنسان عن الفئران بالرغم من أن عدد خلايا جسم الإنسان يصل إلى ألف ضعف عدد الخلايا في جسم الفأر، ومتوسط عمره 30 ضعفًا بالنسبة لمتوسط عمر الفأر.

كيف إذن فسر علماء الأحياء المفارقة؟ يشتهر الأدب والسينما والمسرح بتقنية سردية تمثل حلًّا سحريًّا لتعقد الحبكة الروائية تسمى الإله من الآلة (god from the machine)، إذ تنفرج الأزمة غير القابلة للحل بتدخل مفاجئ وغير متوقع لحدث أو شخصية جديدة تستحضر النهاية السعيدة. كان المسرح اليوناني القديم كثيرًا ما يلجأ لهذه التقنية؛ إذ يدخل الممثل الذي يؤدي دور الإله هابطًا على المسرح على آلة ميكانيكية منقذًا البطل ليحل الصراع الدرامي وينتصر للقضية الأخلاقية التي يمثلها البطل. لم تخل الروايات الغربية الحديثة من هذا الحل السحري المريح. كان الحل في رائعة هربرت جورج ويلز حرب العوالم (The War of the Worlds) هو البكتريا التي لم تتحملها أجساد الغزاة المريخيين في حين تعايشت مع البشر وتعايشوا معها آلاف السنين. التقنية نفسها لجأ إليها تولكين في الهوبيت ومملكة الخواتم، إذ تنقذ النسور الضخمة جندلف أو بيلبو باجنز في اللحظة الأخيرة بعد أن أوشك الأورك على الفتك بهما.

على ما يبدو ألهمت التراجيديا الإغريقية بعض علماء البيولوجيا لكي يجدوا حلًّا لمفارقة بيتو (Peto’s Paradox) الدرامية. كانت تقنية الإله من الآلة هذه المرة هي نظرية التطور. فإذا تعرض أفراد فصيلة معينة لخطر الطفرات السرطانية لا بد أن تنشأ وتتطور الجينات المقاومة للسرطان؛ لكي لا يتعرض أبناء النوع الواحد لتهديد الانقراض. مثلت نتائج الدراسات الجينية لبعض الكائنات إغراءً قويًّا للاعتقاد بحل التطور السهل. فسر العلماء التطوريون انخفاض معدل حدوث السرطان لدى فيل السافانا الأفريقي عن معدل حدوثه في الإنسان بوجود 20 نسخة من الجين المثبط للسرطان (TP53) في هذا النوع من الأفيال، في حين يحتوي الجينوم البشري على نسخة واحدة فقط. ارتبط في اعتقادهم زيادة عدد نسخ الجين المثبط للسرطان بنشوء الفيل الأفريقي وارتقائه.

تقوم نظرية التطور في تفسيرها سواء للمفارقة بوجه خاص أو لنشأة الحياة على كوكب الأرض بوجه عام على مفهوم الصدفة إلى حد كبير، وهو ما جعل الحل البيولوجي (نظرية التطور) يتشابه مع الحل الدرامي (الإله من الآلة) في الافتقار للمنطقية والشمول وفي قابلية كليهما للاستسهال كحل بسيط لتعقيدات البيولوجيا أو الدراما «كل ما تغلب قول تطور». فمع التسليم بمثال فيل السافانا، إلا أن بعض الكائنات الحية الضخمة الأخرى مثل الحوت القطبي لا تملك نسخًا إضافية أخرى من جين (TP53) المقاوم للسرطان، ومع ذلك يتعدى عمرها المائتي عام. يقترح بعض العلماء حلًّا تطوريًا آخر للمفارقة، وهو أن الكائنات الضخمة تتميز بمعدل منخفض من التمثيل الغذائي عن نظيرتها ضئيلة الحجم؛ وبالتالي فإن وصول المواد المسرطنة إلى أنسجتها سيكون أبطأ وأقل. إحدى الفرضيات التطورية الأخرى تقول بأن الورم في الكائنات الضخمة يأخذ وقتًا أطول للنمو كما أنه يحتوى على الخلايا المخادعة (cheater cells) التي تتغذى على الإمداد الدموي للورم، غير أنها في الوقت نفسه تحد من لياقة الورم وقدرته على الإمراض. يسمى الورم في هذه الحالة بالورم المفرط (hyper tumor)، ويكون مسؤولًا مع خلاياه المحتالة عن تحجيم قدرة السرطان على الفتك بأجسام الكائنات الضخمة، وزيادة فترة نجاتها.

لكن مشكلة هذه الحلول التطورية أنها لم تحاول أن تتمرد على مفهوم الصدفة الذي يشكل عقدة هامة بالنسبة لفرضية التطور. حتى سبب تكوين الورم السرطاني من وجهة النظر التطورية هو تراكم الطفرات الذي يحدث مصادفة داخل واحدة أو أكثر من الخلايا الجذعية التي تنقسم بانتظام بشكل يومي أو شبه يومي مما يؤدي إلى فقدان السيطرة على هذه الخلية التي تنقسم وتتكاثر مكونة الورم السرطاني. اختلف بعض العلماء مع التفسير التطوري لحدوث السرطان، وافترضوا أن الخلية الجذعية لا تنقسم يوميًا بهذه البساطة إلى خليتين (واحدة جذعية جديدة و واحدة أخرى تنقسم عبر ثمانية أجيال إلى 256 خلية ناضجة)، وإنما يكون الوضع أعقد من ذلك، إذ تتسم الخلايا الجذعية بطريقة انقسام هيراركية (هرمية) يوضحها الشكل الآتي (مشروح بشكل أفضل في مصادر المقال) (المصدر رقم 3):Image result for stem cell hierarchyيفترض النموذج الهيراركي وجود أكثر من جيل للخلايا الجذعية أقدمها الخلية A وأحدثها الخلية Q. تنقسم A إلى 2B إحداها يتم تخزينها والأخرى تنقسم إلى 2C . ويتكرر الانقسام بهذا الشكل حتى نصل إلى الخلية P التي تنقسم إلى خليتين من الجيل Q وهو الجيل النهائي من الخلايا الجذعية الذي ينقسم عبر ثمانية أجيال إلى 256 خلية ناضجة في يوم واحد. وفي اليوم التالي تنقسم الخلية الشقيقة Q بنفس الطريقة. ثم يحدث أن يبدأ استهلاك المخزون المتراكم من الأجيال المتعددة للخلايا الجذعية (ABCDEFGHIJKLMNOP) فمثلا الخلية من الجيل O ستنتج 256 خلية يوميًا لمدة أربعة أيام، والخلية N تنتج 256 خلية يوميًا لمدة ثمانية أيام، وحتى نصل إلى الخلية B التي تنتج 256 خلية ناضجة يوميًا لمدة 32768 يوم (حوالي 92 عامًا).

وبالتالي لا يمكن أن تنقسم الخلية الجذعية بالشكل التقليدي البسيط المعتقد، وإلا تتضاعف فرص الإصابة بالسرطان ملايين المرات في الإنسان عن الفأر و لا يتجاوز إنسان العقد الأول من حياته. فالنموذج الهيراركي يستبعد فرضية التطور سواء في حدوث السرطان (لأن له أسبابًا غير الصدفة العشوائية) أو في حل مفارقة بيتو، فبالنسبة للسرطان فإن حدوثه غير شائع إلا إذا اضطربت الهيراركية التي تنتظم بها الخلايا الجذعية نتيجة التهاب أو عدوى فيروسية أو عوامل أخرى، أما بالنسبة لحل المفارقة فإن التفاوت في معدل حدوث السرطان بين الإنسان والفأر بحسب النموذج الهيراركي سينخفض من مليار مرة إلى ألف مرة (نلاحظ أن هذا الرقم نفسه هو المذكور في أول المقال عن الفارق بين عدد
خلايا جسم الإنسان والفأر) . بمعنى أن التفاوت بين الإنسان والفأر في معدل حدوث السرطان لن يتقارب إلى الدرجة التي تثير المفارقة ولن يتباعد بما يخرج عن المعقول.

قد تلهم الفرضيات والحلول المطروحة لفهم مفارقة بيتو العلماء بالتوصل إلى علاج للسرطان، وربما تطبيقه على الإنسان، ولكن هل تصمد نظرية التطور حلًّا للمفارقة؟ بل هل يصح أصلًا أن نعتبر فرضية التطور نظرية علمية أم أنها برنامج بحث ميتافيزيقي بتعبير كارل بوبر؟ ينسى البعض أن فرضية التطور لا تستند إلى ملاحظة علمية، وأن داروين نفسه قد أقر بأنه لا يمكن على مستوى التفاصيل الدقيقة إثبات أن الأجناس قد تطورت، وبالتالي فإن فرضية التطور غير قابلة للتجريب والاختبار لإثبات صحتها، وكونها حقيقةً علميةً أم مجرد اعتقاد أيديولوجي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد