في ظل حديث الأكثرين عن ولعهم بإبقاء من يحمل اسمهم بعدهم حتى يندثر وكلام علماء البيلوجيا عن تكاتف الجينات للإيداء بك إلى وضع حيوانك المنوي مع بويضة يعزفان لحن الشر الأزلي وبكاء من هو عقيم على الأطلال، أجدني لا أميل لموضوع الإنجاب أبدًا، نظرتي للموضوع ما قاله أحمد خالد توفيق في شآبيب: ثم إن هذا العالم أقسى من أن نمنحه طفلًا يتسلى بتعذيبه.

حاليًا على ما يتطاير من دخان أفكاري في ذهني أعتبرني مخطئًا إن أنجبت طفلًا، على الأقل هذا ما أميل له في الآن، ناهيك عن الوسواس القهري الذي يرافقني كظلي وألوم به نفسي على اللحظة التي علمت فيها أني أفكر إذن أنا موجود في هذا الكون، كيف لي أن أسمح بانتقال هذه الكتل من الأسى لمن يريد إحياء السلام في داخله ورؤية الحياة من عينين يرسمان الروض فوق الجفون؟

الأصل في عالمنا

العالم مكتظ بالشر، عندما يتكلم الآباء عن خوفهم على أولادهم من الشرور التي قد تعترض طريقهم هم لا يعلمون أنهم قد سلموهم بالفعل لمنأى التعذيب الأزلي ورأس رؤساء السادية: أمنا الأرض العاقة، بل إن ما هو أشد وأنكى نظرتهم الساذجة عن الشر، الشر ليس كائنًا تحتدم به، ترفع يدك ملوحا له ثم يخاف، تزفر بغيض فينسحب، ترسم علامات الغضب فيضمحل، إنه يحيا معك في كل ثانية ولحظة، إنه يتخذ من كل ثنية فيك ومنعرج يسنح مجالا لإطلاق العنان له، كيف لو كنت أنت روح الشر الكامنة المبرمجة لعبادته في الأصل و لا تدري؟

ومن الأمثلة التي توضح مقصدي على ما سطرته من غياب الوعي عن النظرة الصحيحة للشر:

كنت طفلًا في فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، أستيقظ على الجثث المتناثرة وتكبيرات المساجد وغزو العدو، ما رسخه أهلنا في مخيلتنا أن الذي خلقنا لأجله الدراسة النظامية (المليئة بالفشل والمنهج المجانب للصواب)، لا بد أن أغلب العرب سمعوا كلمة: (المدرسة مستقبلك)، حتى أني كرهت الحروف لهذه الكلمة، المهم أن المعارك تنشب في كل وقت وحين، ولا زلت أتذكر ركضنا أنا وأمي وأنين الرصاص حلقة من شبح الموت يحيطنا في مرة في وقت الخروج من المدرسة، فبالتالي طريقهم لحمايتنا من الشر (وهو عدم وجود الوظيفة عند الكبر: بتعبيرهم ونظرتهم!) = دافع لهم أن يتركوك تلقى حتفك طفلًا، بل حتى فكرة السفر بطابع أن لا أحد منا منظم للمقاومة = لم يجعلوه أولوية مع ظرورته الملحة والقدرة عليه!

تولد للعالم ورقة بيضاء

والفكرة هنا أن لو سلمنا أن المجازفة بإنجاب الأطفال لعالمنا الملعون فكرة سديدة أو حرية مباحة مبررة، فإن زيادة عذاباتهم هي محض الشر والغباء والجريمة، العالم ورقة بيضاء تتخذ منها بداية تسطير خطواتك عليها سيفاجئك بالكثير من الألم والمعاناة، فما بالك أن تأتي أنت فتزيد الطين بلة، طرق تربية خاطئة، ضرب، خلق الأمراض النفسية، البراعة في بث الهلع والخوف، الاستعباد وكبح الحرية … إلخ.

كأني بي أتحدث عن عالمنا العربي في معاملته لأبنائه، ويجدر بي وضع حروف العراب التي ستوضح المقصد بشكل أكبر حيث يقول واصفًا شخصية في روايته شآبيب:

لم يعرف مكرم لنفسه بيتًا ووطنًا سوى الولايات، وقد منحه هذا البلد كل شيء. الجنة الافتراضية في ذهنه كانت هي البلد الذي يكفيك لتصل للقمة فيه، أن تشقى وتعاني وتتعذب وتسهر فقط … فقط، وهي معادلة مستحيل أن تتحقق في عالمنا العربي مثلا، في أمريكا لو لعبت بقواعد اللعبة جيدًا فلن يمنعك شيء من بلوغ القمم. بينما العكس هو ما يحدث غالبًا في العالم العربي.

ولعل الاقتباس هذا تتمة المقال، وهو لمحة عبقرية ممن عهدنا فطنته تنطلي على أجزاء كثرة من تكوين طريق السير في كون مبهم مخيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد