واكب القرن العشرين تأليف عددٍ من الروايات العربية التي أثرت في الوسط الأدبي، ونقلت صورًا عن الواقع الممزوج بالخيال الذي يصنعه الروائي، واستطاعت الكثير من هذه الروايات أن تُحدثَ أثرًا واضحًا في الأدب العربي؛ تحديدًا التي امتازت بامتلاكها مجموعة من الخصائص المميزة، مثل القصة والحبكة الروائية، وطبيعة الأحداث وأدوار الشخصيات، وفي خضم الحركة الأدبية في عالم الرواية العربية ظهرت رواية (اللص والكلاب) للأديب المشهور نجيب محفوظ.

نُشرت رواية اللص والكلاب للمرّة الأولى في عام 1961، وحصلت على شهرة كبيرة كجميع مؤلفات محفوظ الأخرى، مثل ثلاثيته المشهورة «بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية»، أو «أولاد حارتنا» روايته الشهيرة التي حققت نجاحًا منقطع النظير، فجاء محفوظ برواية «اللص والكلاب»؛ ليكمل سلسلة نجاحاته المتتالية، واستطاع من خلالها أن يُقدّمَ أدبه الروائي بطريقة جديدة، ولا تقل مفاجأة عن الذي قدمه في أعماله الروائية السابقة.

تعتبر اللص والكلاب من الروايات القصيرة نسبيًا؛ إذ لا يزيد عدد صفحاتها عن 140 صفحة من القطع الصغيرة، ويدور محتواها حول عددٍ من الأفكار، كالبيئة الاجتماعية والتحوّلات الشخصية والغدر والجريمة والانتقام والموت، أمّا الفكرة الرئيسة التي تنادي بها؛ فهي البحث عن العدالة المُجسّدة في بطل الرواية سعيد مهران الذي يمثّل نقطة الالتقاء بين شخصيات الرواية وأحداثها المتشابكة والمتقاطعة معًا.

نبذة حول رواية اللص والكلاب

سعيد مهران – البطل الرئيس في الرواية – يكون خروجه من السجن بعد ارتكابه لجريمة سرقة؛ هو الحدث الذي تبدأ منه أحداث الرواية، والذي يسعى بعده لتحقيق هدفه الأوّل برؤية ابنته سناء قبل هدفه الثّاني بالانتقام من الأشخاص الذين غدروا به وخانوه. تعيش سناء مع زوجته نبوية التي تزوجها صديقه عليش سدرة بعد أن طلّقها من سعيد أثناء وجوده في السجن، ولكن بعد وصوله إلى منزل عليش وطلبه رؤية ابنته يصدم بنكرانها له، ورفض عليش ونبوية الاعتراف بوجوده، ومن هنا يزداد تصميمه على الانتقام منهم.

يتوجّه سعيد إلى منزل الشيخ الجنيدي الذي كان يذهب إليه في طفولته مع أبيه، لتعلّم القراءة ومطالعة الكُتب، ويخبر الشيخ بحالته ورغبته بالانتقام، ويحاول الشيخ ثنيه عن ذلك بتقديم مجموعة من النصائح له، ثم يقرر سعيد أن يزور رؤوف علوان الذي يعتبر المشارك الثاني في بناء شخصيته بعد الشيخ الجنيدي، وكان رؤوف طالبًا جامعيًا بسيطًا يدرس الحقوق وينادي بمجموعة من الأفكار والمبادئ، وقد ساعد سعيد على الخروج من أوّل جريمة سرقة يرتكبها في حياته. يصل سعيد إلى قصر رؤوف الذي يستقبله ويعطيه مبلغًا من المال، ولكن بسبب تكبره في التعامل معه، وتخليه عن مبادئه، ورفضه أن يعمل في الجريدة التي يرأس تحريرها، يزداد حنق وحقد سعيد على الجميع، وتزداد رغبته في الانتقام.

يحصل سعيد على مسدس لينفّذ انتقامه، فيذهب إلى منزل عليش لقتله، ويطلق الرصاص ثم يغادر مسرعًا، ولكن يقتل رجلًا غيره، فلم يكن على علمٍ بأن عليش قد غادر المنزل برفقة نبوية وسناء بعد زيارته مباشرة. يشعر سعيد بالندم على فعلته، ويبحث عن مكان ليختبئ فيه، ولم يجد أمامه إلا منزل نور وهي فتاة أحبته في الماضي، ولكن لم يبادلها الشعور ذاته. تبدأ الصحف بتداول أخبار الجريمة التي ارتكبها سعيد، وتكون صحيفة رؤوف علوان من أكثر الصحف المهاجمة له، فيقرر قتل رؤوف انتقامًا منه؛ بسبب دوره في تشجيعه على السرقة، وعدم مساندته بعد خروجه من السجن، ولكن يفشل كذلك في قتله، ويقتل بالمقابل حارس القصر، لتزداد هموم سعيد؛ بسبب قتله أشخاصًا أبرياء، كما تصبح أخباره أكثر انتشارًا بين الناس.

تنتهي قصة سعيد مهران، بعد غياب نور عنه، وفراره من منزلها إلى منزل الشيخ الجنيدي، ثم تجمع رجال الشرطة وأهالي الحي حول المنزل، وهروب سعيد منه إلى منطقة المقابر المقابلة لمنزل نور، وبعد أن يصبح محاصرًا من جميع الجهات، لا يجد أمامه مهربًا إلا أن يلقي بنفسه في قبر مفتوح، ويطلب منه أحد رجال الشرطة الاستسلام، ولكن بلا مبالاة واضحة يطلق رصاصة في الهواء، لتنطلق مجموعة من الرصاصات تجاهه ليسود ظلام حوله وتنتهي قصته.

نقطة البداية في تأليف رواية اللص والكلاب

خلال ستينات القرن العشرين ظهر مجرم كان الشغل الشاغل للصحافة المصرية في ذلك الوقت، واسمهُ محمود أمين سليمان، وغالبية أهل مصر كانوا قد سمعوا أو قرأوا عن قصص جرائم القتل التي يرتكبها بدافع الانتقام، كما أن الآراء انقسمت حوله، فهناك من تعاطفوا معه واعتبروه ضحية للمجتمع، وهناك من رفضوا جرائمه واعتبروه مجرمًا يستحق العقاب، وبين هذه الآراء وتلك كان نجيب محفوظ من الذين لفت هذا المجرم انتباههم، فتابع أخباره ومستجدات جرائمه، ومن هنا جاءت نقطة البداية لنشر رواية اللص والكلاب متسلسلة عبر صحيفة الأهرام، لتجمع لاحقًا بعمل روائي، ثم تحوّل إلى أعمال تلفزيونية وسينمائية.

فلسفة رواية اللص والكلاب

استخدم نجيب محفوظ شخصية اللص سعيد مهران لنقل صورة حول الصراع الذي يعيشه الإنسان بين الماضي والحاضر، وبين نفسه والمحيط الذي يعيش فيه، وهذه هي الفلسفة التي ربطت بين جميع أحداث الرواية وشخوصها، بالتزامن مع وجود شخصية سعيد التي تعتبر العامل المشترك الذي جمع بين الشخصيات والأحداث، كما وظّف محفوظ سعيد ليكون أداة انتقام من المخادعين وأصحاب المبادئ المزيفة وناكري المعروف، وهم الذين أشار لهم بالكلاب؛ إلا أنه لم ينجح في الانتقام منهم، وكان يلحق الأذى بأشخاص أبرياء لا ذنب لهم، ليصل في النهاية إلى الإحساس باللامبالاة، واتخاذ قرار نهائي بالاستسلام.

نحن نتعلّم من المهد إلى اللحد، ولكن يا سعيد ابدأ بأن تحاسب نفسك، وليكن في كلِّ فعل يصدر عنك خير لإنسان – اقتباس من الرواية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد