قصة قصيرة بعنوان “صورة” لنجيب محفوظ تتحدث عن حياة بنت فقيرة قضت عمرها ما بين الخدمة في البيوت واستغلال القوادين ثم انتهت حياتها بمقتلها على يد عشيق، نجيب يروي قصة هذه البنت دون أن تحضر أبدًا للنص، فأبطال القصة هم كل من مرت بهم هذه البنت، يفصحون رويدًا رويدًا عن حياتها عند مطالعتهم صورتها وخبر مقتلها في الجرائد، كل منهم يحمِل للبنت اسمًا مختلف، لتصبح البنت ألف بنت من هؤلاء الذين لا يمكنهم أبدًا أن يصعدوا لمتن الرواية، حتى إذا تم الحديث عنهم فعبر صورة في الجرائد.

أثناء تصفح نجيب لأحد الجرائد كما يفعل أبطال قصته “صورة” شدت انتباهه شخصية السفاح محمد أمين سليمان، شدت انتباهه لدرجة أن محمد سليمان أصبح ملهمه في رسم شخصية سعيد مهران بطل روايته “اللص والكلاب” التي كتبها عام 1961، لكن محمد سليمان السفاح تحول في رواية نجيب إلى “الأمل والحلم وفدية الجبناء”! كأن المسافة من محمد سليمان إلى سعيد مهران، من الواقع إلى الفن، من دنيا المحروسة لعالم نجيب كافية تماما لتحويل يهوذا إلى مسيح!

يقول لويس عوض أن سعيد مهران بالفعل لص لكنه أقرب لفكرة اللص الشريف الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، هذا فعلًا حال سعيد مهران الذي تعلم هذا من أستاذه وصديقه الاشتراكي رؤوف علوان، لكن يبدو أن اختزال حال سعيد في شخصية روبن هود لا يبدد تعجبنا ولا يجعلنا نفهم كيف أصبح للص أن يبشر بالخلاص، إن سرقة الأغنياء من أجل الفقراء، التمرد على التقسيم الطبقي، قد يصنع ثائرًا لكنه في حقيقة الأمر لا يصنع مسيحًا!

 

محاولة تثبيت حال سعيد مهران عند مرحلة السرقة التي سبقت دخوله السجن تخفي عنا كثيرًا من أبعاد شخصيته التي تصاغ وتتكشف بعد الخروج منه، أيضًا لا يمكن حل الأمر بإضافة تشابه آخر بحيث نقول مع القائل إن الرواية بعد الخروج من السجن تشبه كونت دي مونت كريستو وفكرة العودة من أجل الانتقام، فسعيد حين يخرج من السجن للانتقام من أعدائه رؤوف ونبوية وعليش، يؤكد لنا أن محاولته هذه ليس مجرد محاولة للانتقام.

 

إنه يرسم نفسه كمخلص لحظة ما يعتبر عمله إصلاحًا لعبث الكون “أقتل رؤوف يعني أن اقتل العبث” ، ليست الطبقية سوى شرًا بسيطًا يخفي وراءه شرًا أكبر كامنًا في قلب الإنسانية وقلب الوجود، إن “اللص” ليست سوى دعاية رؤوف علوان لإخفاء حقيقة سعيد المخلِّص، تماما كما أن اختزال عوض سعيدا في هيئة “اللص الشريف” ليس إلا محاولة لتهدئة التمرد ضد قوانين الوجود من ماركسي عتيد يؤمن بقوانين التاريخ!

سعيد مهران يحاول القضاء على الشر البشري من جذره، إنه يذكرنا بأول جريمة بشرية، قتل قابيل أخاه، “أليس غريبًا أن مهران على وزن علوان” تماما كما أن قابيل على وزن هابيل، لو أخذنا بهذه القراءة التي تعتبر هاملت شكسبير إعادة لرسم التاريخ المسيحي للكون بدءًا من خطيئة القتل – قتل كلودياس أخيه ملك دانمركة – وصولًا إلى فداء المسيح “هملت”، فسنقول أن مسرحية “هملت” هي الأقرب من الأعمال العالمية تشابها مع العمل الذي بين أيدينا وليس روبن هود ولا كونت دي مونت كريستو، فصرخة هملت “هل علي أن أصلح هذا العبث” يستعديها سعيد في اللص والكلاب ويمضى مثله في محاولة إصلاح العبث.

 

في مأساة شكسبير يتعطل إصلاح العبث بقتل العم بسبب مسيحية هملت، في مأساتنا هنا أيضا لا تكتمل محاولة سعيد إصلاح العبث، لكن لسبب آخر وهو أن رصاصاته الموجهة لقتل العبث الإنساني تطيش في الهواء، وتقتل الأبرياء، وتكشف لسعيد عن عبث آخر هو العبث الكوني وتخرجه من أسئلة الغدر والخيانة إلى سؤال “لماذا يموت الأبرياء؟!”

 

في مواجهة معضلة موت الأبرياء يظل الشيخ الصوفي جنيدي الذي يمثل جزءًا هامًا من ماضي سعيد – شيخ الأب وصديقه الذي طالما تردد على حضرته سعيد في طفولته –مصرًا على رأيه بعدم وجود الشر أصلا.

حين يسأل الشيخ سعيدا: “متى تظفر بسكون القلب تحت جريان الحكم”، يجيب سعيد مستنكرًا: “عندما يكون الحكم عادلا”، فيرد الشيخ بكل هدوء “هو عادل أبدا”.
في حوار آخر يسأل سعيد الشيخ:هل حاولت أن تقيم ظل شيء معوج
فيجيب الشيخ بنفس الهدوء: أنا لا اهتم بالظلال!

صدق سعيد إذن حين قال أنه محبوس مع شيخ غائب في السماء لا يمكن أن يعي كلماته مقبلٌ على النار!

 

شخصية الشيخ جنيدي يفسرها البعض باعتبارها ملجأ يلجأ إليه سعيد من عبث الكون، فهي مثيل للكهف أو الرحم في الروايات الوجودية، حين نقابل تفسيرًا كهذا فإننا لا نستطيع حياله سوى التشكك ولو بعد قبول مبدئي، حيث أننا لا نستطيع فصل شخصية الشيخ جنيدي عن كل شخصيات المتصوفة التي تملأ كل أعمال نجيب متنوعة بين شيخ صوفي وشحات ينشد وصديق يقرأ الرسالة القشيرية وصولًا لتكيات الحرافيش، هذا يحمِّل حضور التصوف في “اللص والكلاب” من الدلالات ما هو أكبر بكثير من دلالة الملجأ والعودة للرحم، خصوصا أن العلاقة بين سعيد والشيخ جنيدي علاقة شديدة التوتر، إنها علاقة لجوء وحنين ورفض ومحاكمة بل واستهزاء في الوقت ذاته! إنها حنين ومحاكمة نجيب لجزء من ماضيه نفسه.

فنجيب يدخل في تكوينه الشخصي رافد إسلامي يميل للتصوف مصدره النشأة والاتصال في الجامعة بمصطفى عبد الرازق إلى جانب رافد اشتراكي كان التقاه عند سلامة موسى، وإذا كان نجيب قد اكتفى في “القاهرة الجديدة” بتعليق مقتضب على الصراع بين الاشتراكية والإسلام “إن المعركة لم تبدأ بعد”، فهذا لأن رواية “القاهرة الجديدة” هي أحد روايات نجيب الأولى التي وصفها يحيى حقي بالسكونية، روايات تحمل كل سمات ما قبل احتدام الصراع، عناوينها أسماء لأماكن وأحياء، وتروى بتقنيات سردية تجمع بين الراوي العليم والمونولوجات الطويلة.

 

أما “اللص والكلاب” فهي أول رواية حركية، عنوانها يحضر للذهن مشهد مطاردة تشق الأنفس، لذا نجد فيها نجيب مخترقا المعركة بذاته خلف تيار وعي سعيد مهران، لكن هذا يحدث بعد أن اشتدت المعركة فلم تعد مجرد معركة بين الإسلام والإشتراكية في قدرة كل منهما على تحقيق العدل، بل أصبحت سؤالًا عن معنى العدل، عن معنى الشر، عن معنى الإنسان ذاته.

يحسم سعيد أمره في النهاية، برد كل العبث للإنسان، إن الذين ماتوا بالرصاصات الطائشة ليسوا أبرياء، بل إنهم أصل البلاء “هم من خلقوا عليش ونبوية ورؤوف”، “إن خادم رؤوف علوان مات لأنه – ببساطة – خادم رؤوف علوان”.

 

يُذكر أن البطل الروائي يكون مصيره الموت إن لم يستطع حسم الصراعات داخله، فيكون الموت إنهاء لها، لكن وكأن موت سعيد يخفي دلالة أخرى، فموت سعيد ليس موتًا مفاجئًا أو غريبًا، سعيد نفسه تنبأ به في طريقه للانتقام أو بالأحرى لإصلاح العبث، “عالم بلا أخلاق ككون بلا جاذبية، ولست أطمع في أكثر من أن أموت موتًا له معنى” إنه الموت المحتم لمثقل بمهمة مستحيلة.

مات سعيد بعد أن ألقى خطبة عصماء للأموات وللكلاب من نافذة شقة “نور” المختفية، مات برصاصة غير طائشة، لا لفداء الناس المؤمنين به في صمت دون حركة بل لتنبيههم أن الرصاص – إن لم يتحركوا – سيظل يطيش محيلا الوجود عبثًا لا يصلحه لجوؤهم – أو لجوؤه – العاجز للشيخ جنيدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد