فرانثيسكو غويا والثورة

في بداية الأمر قد تخطئ في الاعتقاد بأن المشهد أبسط من أن يحمل تفسيرًا طويلًا، ربما معركة ما كالعديد من المعارك.

المشهد الحكائي هو تمثيل «جويا» لموقعة الثالث من مايو (أيار)، حيث اقتحم جنود نابليون المدن الإسبانية. المشهد أمامك هو إحدى المذابح التي ارتكبها الفرنسيون في حق الإسبان، فرقة من الجنود مكلفة بإعدام بعض مواطني المدينة بلا رحمة.

يصطف الجنود بشكل ميكانيكي للغاية، بالكاد تستطيع فصل أحدهم عن الآخر، متوحدين مع بنادقهم، لا تظهر ملامحهم، لا يظهر منهم أي مظهر إنساني، وكأنهم آلات تطيع الأوامر وحسب، حتى ملامح الوجه رسمها جويا مطمسة بعيدة عن أعيننا، لا تربطهم بالإنسانية أي صلة بعد الآن.

على الناحية الأخرى نجد مواطني المدينة في وضع جسدي مضطرب، يناسب طبيعة المشهد، تتباين استجابتهم الشعورية لما يواجهون، حتى وإن كان الجميع يواجه المصير نفسه، البعض ينعى القتلى الذين سبقوه، والبعض الآخر يشيح ببصره بعيدًا لينسى مصيره، وآخرون في وجه الموت يقاتلون. وهنالك من ينظر إلى السماء، ربما في انتظار معجزة ما.

(The Third of May 1808 (1814) Francisco Goya (1746-1828)

جسد الفنان ملامحهم جميعًا بقدر عالٍ من الوضوح، ربما لنتعاطف معهم، وليناقض ملامح الجنود التي لا نراها.

يتضح من استخدام الفنان للضوء، ومن ترتيب المشهد أن جويا أراد خلق هالة خاصة نحو الشخص ذي القميص الأبيض على اليسار، هل يصد الأذى عمن حوله؟ هل يستسلم؟ هل هو مرتعد؟ وما وجوده في طليعة المجموعة إلا مصادفة.

ربما كان هذا الرجل يحمل رمزية ما، فنلاحظ تشابه وضعه الجسدي مع المسيح أثناء الصلب، وإذا دققنا في كفيه نجد علامات تشبه آثار المسامير التي صلب بها المسيح.

الرجل هو مسيح هذا العمل الفني، ينتصر رغم موته. ربما كان هذا هو المعنى الحقيقي لتضحية المسيح، الأمر أكبر من الفداء ورفع الأذى، إنه الانتصار على الموت ورغم الموت.

اختلف البعض في تفسير طبيعة البناء في الخلفية، وسبب تجمهر الناس أمامه. البعض رجح أنها كنيسة ما، وربما أحد ثكنات الفرنسيين.
هل يرمز البناء لشيء ما؟ هل المقصود تمثيل مشهد القتل وكأنه بعيد عن أي «مدنية»؟

نجد أغلب الخطوط في العمل الفني حيوية للغاية، تناسب طبيعة مشهد مليء بالبشر. بعض الخطوط حادة كاصطفاف الجنود ومنحنى الجبل.

اختار الفنان باليتة لونية قاتمة من درجات ألوان الأرض، مناسبة لعمل فني مليء بالأسى. ألوان باردة من ظلال البني والأصفر.

تظهر الحركة في العمل الفني بوضوح، نستطيع الإحساس بذلك من ضربات فرشاة جويا ومن الفزع، والحالة النفسية لشخوص العمل.

استطاع جويا خلق إحساس بالعمق في المشهد، عن طريق تمثيله الجنود والتل على اليسار، والبناء في الخلفية.
العمل متوازن تركيبيًّا، على الرغم من احتوائه على الكثير من الشخوص، والحركة، والدرامية.

تقص لنا الإضاءة – جنبًا إلى جنب مع ضربات فرشاة جويا- ما يحدث حقًّا في هذا العمل، وظفها الفنان لتركيز الفعل الحكائي حول المواطنين في اللوحة، وخاصة الرجل ذي الزي الأبيض. كما نجد أن الإضاءة خلقت حاجزًا بصريًّا بين الجنود على اليمين، والمواطنين على اليسار، وكأنه خط فاصل بين الخير والشر.

اللوحة من حيث الموضوع والأسلوب تمثل انتقالًا من الكلاسيكية نحو الانطباعية، فمن حيث الموضوع نجد أن جويا لم يستحضر التراث، أو الأساطير، أو التاريخ، وإنما عالج حدثًا معاصرًا له (وهو أمر نادر للغاية في ذلك الحين، بل إنه لم يبدأ حقًّا في تاريخ الفن الغربي، إلا في القرن الثامن عشر)، كما نجد ضربات الفرشاة واضحة دون عناية بتجسيد التفاصيل، وهو ما سيتجلى فيما بعد في التيار الانطباعي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد