لا يجد المتتبع للشأن السعودي صعوبة في اكتشاف سلسلة الحوادث الدرامية التي حصلت مؤخرًا بعد تولي محمد بن سلمان ولاية العهد، وهو الشاب الذي يتطلع لقلب المفهوم الذي تأسست عليه المملكة السعودية القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحد السيف، إلى مفهوم يسمح بالرقص والغناء في شوارع المدن التي تغلق أبواب محلاتها أوقات الصلاة. وهي قفزة لم يكن لأحد توقعها ولو في المنام، ألا أنه قبل عقدين من الزمن حدثني صديق أن أحد معارفه وبنفاذ بصيرته استبق هذا الزمن وتنبأ بحدث كهذا ووقع عقد وكالة حصرية مع شركة «بلاك ليبل» لتوريد المشروبات، حينها اتهمه أصدقاؤه بالجنون. هذا الانفتاح مدفوع الثمن لمملكة تشربت على مدار القرن المنصرم بالوهابية، فجاء قمع رجال الدين البارزين واحتجاز عدد من رجال الأعمال والاقتصاد في فندق الريتز في الرياض وقبله اختطاف ثلاثة أمراء معارضين من دول أوروبية واختفاء آخرين بظروف غامضة، وآخرها اختفاء الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول الذي قيل أنه قتل بدم بارد ليكلل مفهوم الغموض الذي تتعامل به السعودية.

حكومة الولايات المتحدة نظرت ببرودة بالغة على حادثة اختفاء الخاشقجي، ولولا ضغط الصحافة العالمية ومنظمات الرأي الحر وعدد من أعضاء الكونجرس وصحيفة واشنطن بوست تحديدًا التي طالبت بصوته ودمه، لما تكلّفت وهي المدافعة عن حقوق الإنسان والديمقراطيات المزيفة في العالم بالحديث عن مقتله.

قمع الأصوات المعارضة والتنكيل بها وضح النهار دون خوف من عقاب ليس غريبًا على السعودية طالما أنها تشتري الذمم التي تضمن استمرار بقائها ويأتي تأكيد ترامب على أنه لن يفرّط بمبلغ الـ 110 مليارات التي تستثمرها السعودية في الولايات المتحدة ليدافع عن صحفي ميت. بالمقابل لم تمتنع السعودية التي تعاني من ارتفاع نسبة البطالة وتضخم الناتج العام عن دفع مبلغ 450 مليار دولار دفعةً أولى للراعي الأمريكي الذي بدأ بالتذمر من حمايتها بلا مقابل وكررها ترامب في أكثر من مناسبة، وآخرها إهانته للملك سلمان ومطالبته له ولولي عهده بالدفع الفوري أو رفع الحماية التي لن تبقيه على كرسيه أسبوعين حسب تصريحاته المعلنة.

صمتُ النظام السعودي على التطاول الأمريكي ليس وليد اللحظة، بل هو مرتبط بسلسلة من الحوادث المتعلقة بنشأة الدولة السعودية الحالية، لكن ما يحز في النفس أن النظام السعودي يجيز لنفسه التطاول والتدخل في شؤون الدول العربية التي تعرضت لانتكاسات خلال فترة ما سمي بالربيع العربي، ويستمر في في هذا التدخل ضمن الأجندة المكلف بها، وحيث إنه يقدم للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خدمات جليلة بهدف تفكيك دوله من خلال ضخ ملايين الدولارات وتسخير خبراته العسكرية والمخابراتية وتجنيد جهادييه للتنكيل بسوريا والعراق وتونس وليبيا ومصر وقبلها في أفغانستان وباكستان والشيشان وكوسوفو هو أمرٌ لا يقاس باختفاء صحفي مثل الخاشقجي الذي لم يكن متوقعًا أن تثير قضية اختفائه كل هذه الزوبعة.

في خضمّها، تعيش السعودية أزمة داخلية (أسرية) تتجلى في ماهية انتقال السلطة إلى الجيل الثاني والقرارات غير المحسوبة في معاداة المحيط الإقليمي كحربها على اليمن وفرضها الحصار على قطر وعدائها مع إيران وتقربها من إسرائيل، وهو ما جعلها أكثر عزلة  إقليميًا. فقطر التي لاذت بتركيا حذت الكويت مؤخرًا حذوها في توقيع معاهدة دفاع مشترك، وهما إلى جانب سلطنة عمان لا يرغبان في التحالف الذي يرسمه ترامب. أما سوريا والعراق واليمن فهي دول مقاومة للموقف السعودي الذي قطع معها الأواشج تبعًا للسياسة التي انتهجتها في التعامل مع أزماتها. السعودية وتماشيًا مع خطها البياني يتصور الكثيرون أنها تستنسخ السياسة الأمريكية، في المبادرة بخلق المشاكل ثم الشروع بحلها، وهو ما لم يعد مجديًا مع تعثر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

بصياغة أخرى، السعودية ماضية في تنفيذ المخططات الأمريكية التي تضمن بقاءها على المدى الطويل مستلهمة ذلك من نهج الملك عبد العزيز الذي بايع الرئيس الأمريكي روزفلت في «اتفاق كوينسي» عام 1945 والقاضي بضمان بقاء وحماية عائلة آل سعود اللا مشروط مقابل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وإمداد أمريكا بالنفط ما دامت هذه الأسرة في سدة الحكم، ولضمان هذه الحماية تم تجديد هذا الاتفاق عام 2005 بين الملك فهد والرئيس الأمريكي جورج بوش وهو ما جعل السعودية تذهب بالاعتقاد أنها الولاية الثانية والخمسين خارج الحدود الأمريكية.

ومن منطق أنها الربيب المدلل للولايات المتحدة بعد إسرائيل، تفاخر ابن سلمان في آخر حديث له مع وكالة بلومبرغ أن بلده أقدم من الولايات المتحدة بـ 30 عامًا مشيرًا إلى الدويلات السعودية الأولى والثانية اللتين سقطتا بزمن متقارب. فالدولة السعودية الأولى (إمارة الدرعية) استمرت 74 عامًا (1744-1818م) وسقطت على يد آخر أئمتها عبد الله بن سعود، والدولة السعودية الثانية استمرت 73 عامًا (1818-1891 م) وسقطت بسبب خلاف داخل الأسرة على يد عبد الله بن فيصل، ثم استولى آل الرشيد (الأصدقاء الحقيقيين للعثمانيين) واستمر حكمهم 84 عامًا. وكانت خشية آل سعود في الدولة السعودية الثالثة (الحالية) من أن تسقط دولتهم على يد الملك عبد الله بن عبد العزيز تطيرًا باسمه في ماهية السقوط على يد العبدلات، ما هو إلا بيان أنهم أجادوا اللعب على وتر المناظرات الدولية والإقليمية، فاحتفوا بمرور مائة عام على تأسيسها وسموا هذه المناسبة بـ«المئوية» تمجيدًا لهذا الحدث وتخليدًا مطلقًا لبيعة الملك المؤسس عبد العزيز للرئيس الأمريكي روزفلت.

غير أن مطالبة الرئيس الأمريكي ترامب لهم بالدفع وإلا (السقوط) – وهو  أمر مرسوم للسعودية – تأتي في مبلغ الوقت الذي امتدت فيه دولتهم أكثر من سالفاتها… «فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد