في الرابع والعشرين من مارس 1999 قام حلف الناتو بتوجيه ضربة عسكرية لجمهورية يوغسلافيا بزعم إجبارها على الانسحاب من إقليم كوسوفو. وقد صاحب ذلك ادعاءات بأن الغرب ما تدخل إلا نصرة لمسلمي الإقليم.

وهذا كذبٌ بواح، فما تدخل الناتو إلا خوفًا على مصالحه التي بات يهددها سلوبودان ميلوسوفيتش رئيس يوغسلافيا في تلك الفترة، وهكذا هو الغرب، لا يسمح لأحد أن ينازعه إدارة شئون العالم أو أن يتجاوز الخط المرسوم له، حتى ولو كان من بني جلدته.

في صباح يوم الثامن عشر من فبراير 1978 بالعاصمة القبرصية نيوقسيا، قام رجلان ينتميان إلى جماعة «أبونضال الفلسطينية» باغتيال وزير الثقافة المصري الأسبق الأديب يوسف السباعي، الذي تواجد في قبرص بغية المشاركة في مؤتمر التضامن الأفروأسيوي السادس.

بعد اغتيال السباعي، قام القاتلان باحتجاز نحو ثلاثين من أعضاء الوفود المشاركة في المؤتمر كرهائن، مهددين بقتلهم باستخدام القنابل اليديوية ما لم تستجب السلطات القبرصية لطلبهما بنقلهما جوًا خارج البلاد.

لم يتأخر الرئيس السادت في الرد على جريمة اغتيال السباعي، ففي اليوم التالي اتصل بالرئيس القبرصي يخبره (الرجالة في الطريق). لم يوضح السادات الطريقة التي سافر عليها رجاله .فلقد أرسل طائرة تقل مجموعة من رجال الصاعقةالمصرية (777) إلى قبرص بغرض القبض على القاتلين وتحرير الرهائن المحتجزين على متن الطائرة القبرصية، وفي السادسة مساءً طلب قائد الطائرة العسكرية المصرية رخصة للهبوط فى مطار لارنكا مدعيًا أنه على متن الطائرة وزيرًا مصريًا حضر خصيصًا للتفاوض مع القاتلين.

وعلى الفور توجه الرئيس القبرصي إلى مطار لارنكا ليقف في برج المراقبة وحوله بعض وزرائه، هبطت الطائرة المصرية على أرض المطار لتبدأ المعركة ما بين القوة المصرية والقوات القبرصية.

وهنا أقول، رغم الخسائر التي مُنِيت بها مصر في تلك المعركة، إلا أنها أظهرت الجرأة التي تعامل بها الرئيس السادات، حيث إنه لم يخش عاقبة ضربه للقوانين والأعراف الدولية.وحتمًا، الغرب لا يسمح بمثل هذا.

في صباح يوم الاثنين الثاني من مارس 1981 استشهد المشير أحمد بدوي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة المصرية، ومعه ثلاثة عشر قائدًا آخرين ممن قادوا حرب سيناء 1973 عندما سقطت بهم طائرة عمودية، بمنطقة سيوة التابعة للمنطقة الغربية، ولا زال الغموض يحيط ذلك الحادث الأليم.ولكن ربما يكون في ذلك دلالات تحملنا إلى حادث آخر وقع بعد شهور قليلة من ذلك.

في السادس من أكتوبر 1981 قام بعض ضباط الجيش من المحسوبين على أحد الفصائل الإسلامية باغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات ليحل محله الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي حكم مصر ثلاثين عامًا بقانون الطوارئ، بذريعة الإرهاب.

أردت من هذا الاستقصاء أن أقف على عدة أمور لأناقشها لعلي أستطيع إظهار شيء من الخير في هذا الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة، وحتى أحاول أن أرفع اليأس عن أناس استسلموا له، فظنوا أن النصر محالٌ.

وزير الدفاع

قلت في بداية مقالتي، أن الغرب لا يسمح أبدًا لأحد أن يتجاوز الخط المرسوم له حتى ولو كان من بني جلدته، ولقد تدخل الناتو عسكريًا للإطاحة بالرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش، وأعتقد أيضًا أن الغرب ما كان ليسمح للسادات أن يتجاوز الخط المرسوم له، وأنا أعتقد أن الضوء الأخضر لعملية الاغتيال جاء من الخارج واستُخدِم فيها الداخل، ومن الشواهد على ذلك، هو معرفة جل من كانوا حول السادات يوم المنصة بعملية الاغتيال.

ولكن دعونا نتصور بعض السيناريوهات لنعلم أن تدبير الله عز وجل لم يكن أبدًا إلا خيرًا، حتى وإن كان الظاهر غير ذلك.

فلنتصور أن الإسلاميين لم يقوموا باغتيال السادات، ثم أنه مات بالكيفية التي أرادها الله له، وظلت مجموعة الضباط التي تورطت في الاغتيال كما هي بالجيش المصري، وسعوا لنشر الدعوة والالتزام مابين ضباط وجنود القوات المسلحة (فقط)، واستمر ذلك حتى نهاية عصر مبارك، ولنتصور أيضًا أن الشعب المصري ثار ضد مبارك لأي سبب من الأسباب، فتنحى مبارك وظهرت الفصائل الإسلامية، ثم جاء رئيس إسلامي وأراد تعيين وزير للدفاع، علينا الآن أن نتخيل كيف كانت ستكون حيرته لكثرة القادة الإسلاميين داخل الجيش، ممن أثمرتهم الدعوة، وأقول كان سيقوم بعزل المجلس العسكري- التابع لمبارك أو غيره- كله وتعيين مجلس جديد من العسكريين الإسلاميين، ومن ثم كان التغيير سيجتاح العالم العربي كله، ومن هنا تقوم الدولة المسلمة لتخطو خطاها نحوالتمكين، وهذا سيناريو تفاؤلي

ولكن، أما كان من الممكن أن يكون هناك سيناريو ثان يُدخل مصر في متاهة لا يعلم مداها إلا الله؟، كان من الممكن. وأتصوره كالتالي: فلنفترض أن الشعب ثار ضده أيضًا لأي سبب من الأسباب، فتنحى مبارك، واستطاع المجلس العسكري المباركي أن يخدع الإسلاميين -كما حدث خلال ثورة يناير وبعدها- واستطاعوا أن يقنعوا الرئيس الإسلامي الجديد بأن يقوم بتشكيل مجلس جديد يضم جميع الأيدلوجيات حتى لا يتضجر منه أحد داخل المؤسسة العسكرية، فلنتصور الآن أننا أمام مجلس تم تشكيله من ممثلين لجميع الأطياف، بداية من وزير الدفاع ورئيس الأركان مرورًا بقادة الأركان حتى قادة القطاعات والوحدات والكتائب الأخرى، ولنتصورأن وزير الدفاع أو رئيس الأركان كانت لهم الغلبة والسيطرة على معظم القطاعات والوحدات والكتائب، فقاموا بعزل الرئيس الإسلامي.

نتصور أننا الآن في يوم الثالث من يوليو 2013 وأمامنا هذا التشكيل للمجلس العسكري المصري، فأحد القادة (إخوان، وغيره سلفي-علمي وحركي وجهادي-، وصوفي، وجماعة إسلامية، وناصري، ومتشيع، وعلماني، ونصراني) إلى آخر ذلك من أتباع الفصائل والأطياف والأحزاب، فكيف كان سيكون رد الفعل المتوقع من قادة الأركان وغيرهم؟

أما كان من الجائز أن نرى أحد قادة الأركان التابع أيدلوجيا للرئيس المعزول قد انشق ومعه بعض قادة الأركان والقطاعات والوحدات والكتائب دفاعًا عن مؤسسة الرئاسة؟ أما كان من الجائز أن يتصدى لهم من قاموا بعزل الرئيس ومعهم حلفاؤهم – من قادة الأركان الآخرين- لإشعال فتيل الحرب لاسترداد الدولة الفاسدة مرةأخرى؟ أما كان من الجائز أن يتم تشكيل فصائل مسلحة مؤدلجة لتنضم لكلا المعسكرين –المؤيد والمعارض-؟ وارد كل ذلك وغيره في زمان الفتن.

أما السيناريو الثالث والأخير، فها نحن نعيشه منذ يوليو 2013حتى أيامنا هذه.

أعلم أن هناك من يستبعد هذه التصورات، ولكن الواقع الذي نعيشه يجعلنا نفكرفي كل الاحتمالات، لنعلم أن ما نحن فيه قد يكون خيرا، فلا يوجد على الإطلاق شرٌ محض، بل لا بد أن فيه من الخير ما فيه.

وأخيرًا، أريد أن أستخلص بعض ملاحظات من هذه الأحداث، لنعلم أن ما نحن فيه -رغم قسوته- به شيء من الخير، ولكن علينا أن نفكر في طريق الخلاص.

أولًا، الغرب ما نصر ولن ينصر للمسلمين والعرب قضية، وأنه لايسمح لأحد أن ينازعه حكم العالم حتى وإن كان مقربًا منه وقائمًا على قضاء مصالحه.

ثانيًا، الحل ليس في اغتيال الرؤساء والحكام -.وقد أثبتت التجارب ذلك-، وإنما في رفع اليأس والهزيمة النفسية عن الشعوب.

ثالثًا، قيام الدولة المسلمة لن يكون على يد فصيل إسلامي دون الفصائل الأخرى، ومن ثم يجب تفكيك تلك الفصائل كلها وانضواء الجميع تحت راية واحدة -راية الإسلام- حتى يحمل الشعب كله قضيته ويدافع عنها، ساعتها سيصعب على الأنظمة مواجهته والتفريق بين أبنائه من خلال الفزاعات.

رابعًا، لا بد من عودة اللحمة ما بين الجميع، مؤسسات الدولة، والشعب، والحاكم، وأن يحمل الكل هَمَّ وطنه وأمته.ولن يتسنَّى تحقيق ذلك، إلا إذا نزعنا العصبية الممقوتة من داخلنا، فصار هَمُّنا الأول الإسلام وليس الفصيل أو الحزب أو الجماعة، ساعتها لن يستطيع أحد أن يوقف قيام الدولة المسلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد