و يسألونك عن الهجرة .. قل لهم بدئاً .. هل تعنى فعلا هذه الكلمة .. هل بحثت يوماً عن معناها فى المعجم الوسيط .. هل تعى انك تتحدث عن ترك بلدك الأم لتحيا و بصورة دائمه – او هكذا تكون النية – فى بلد أخرى و بين قوم أخرين .. هل فكرت ملياً .. لا أريد أن أثنيك عن الفكرة .. أنا فقط أشكك فى جديتك .

-1-
” زى ما الوطن طردنا من جواه لازم احنا كمان نطرده من جوانا ”
– كلمات الكاتب و المخرج محمد أمين على لسان الراحل خالد صالح فى أحد مشاهد فيلم فبراير الأسود –

يوما ما تعثرت برجل ذو ملامح غربية و لكنه اجنبية واضحة يتخللها بعض مصطلحات من العامية المصرية ” المكسره ” .. عرفنى أحد الأصدقاء عليه على انه طبيب كندى .. بعدها بلحظات فوجئنا بأنه مصرى المولد .. سألناه ماذا يفعل فى مصر .. رد بانه قرر الرجوع .. سألناه عن السبب .. تحدث كثيرا اننا لا نعلم كم الجمال و النعم الموجوده فى بلدنا ..

و الجديد هذه المره ان دهشتنا قد أدت فى النهاية الى صمت مُطبق .. لم يخرج وحش الرفض – المُعتاد – الساخط على مصر و أهلها و الذى يتطوع ليعدد كم الخراب و الهم الذى أرضعته لنا مصر .. سكتنا و ظللنا نتابعه و هو يحكى مبرراته .. الذى بدأها كالمعتاد ان أهل مصر طيبين و يهبوا لنجدة الجار فى حين انك لو جربت هذا فى امريكا او كندا سيردوا عليك بكل اريحية و كما قالها بالحرف ” جو فك يورسيلف” .. ابتسمنا و تركناه يكمل حديثة عن الفتاة المصرية الطيبة التى ستبادلك الحب هنا ان احببتها فى حين ان العلاقات بالبلد التى عاش فيها كانت مُفرغه من اى مشاعر .. هى اليوم معك و غدا مع رجل أخر .. بهذه البساطة.

 

استمرت الابتسامه البلهاء على وجهى حتى أنهى حديثه ثم قال بكلنته المميزه ” حبوا بلدكم يا كماعه “.
..
نحن نُريد أن نطرده ” من جوانا ” لكننا لا نستطيع.. و قد علمونا ان الامراض التى يسبهها خلل جينى ليس لها علاج جذرى .. نحن نحاول فقط ان نتعايش مع الحالة.

-2-
” ألا تتفقوا معي أن مصر مشروع خاسر، والأفضل أن نقفلها ونبيعها لمستثمر خليجي يفتحها مطعم شاورما؟”
– كلمات ” واحد صاحبى ” على حسابه الشخصى على أحد مواقع التواصل قبل سفره بأيام الى ألمانيا للتعليم و العمل –

منذ ثلاثة أشهر اصدرت ” ساسة بوست “ دراسة تتحدث عن دوافع الشباب الجامعى للهجرة خارج مصر .. أحد الدلالات الواضحة للدراسة كانت أن الرغبة فى الهجرة تنبع أساسا من البيئة الطارده فى مصر قبل أن تتعلق بعوامل جذب فى الدول الأخرى ولكن الأهم من وجهة نظرى هو ما أختتمت به الدراسة .. وهو ان 67% من المشاركين قد اكدوا انهم على استعداد لتحمل الظروف الحالية فى مصر اذا ما وجدا أملا فى التغيير.

يبدو ان حتى شباب الجامعات الذين من المفترض ان يكونوا الأقل تعلقا و ارتباطا و الأكثر تحررا و تطلعاً لما يوجد بباقى بلاد الدنيا غير قادرين على حسم موقفهم.

**
نحن لا نريد أن نتركها .. نحن نريد ان نحولها لمشروع ناجح .. دولة تحترم حقوق و حريات مواطنيها و تتمتع بعدالة اجتماعية و فصل بين السلطات ..
ان كان ما نطلبه صعبا فمطعم شاورما مثلا سيكون كفيلا بارضائنا فى الوقت الحالى.

-3-
” انا برضو زي حضرتِك كدا ، ساعات كتير ازهق بس مقدرش امشي ”
– الجملة التى يكررها ” واحد صاحبى ” بشكل يومى .. مستوحيا أداء عادل إمام لنص وحيد حامد فى المنسى –

يقضى شباب مصر نصف أعمارهم على ” القهوة ” .. و أقضى أنا النصف الأخر فى البحث عن رفاق القهوة .. و فى احد تلك الايام كان برفقتنا سينمائيه مصرية شهيرة .. سافرت كثيرا و عاشت كثيرا خارج حدود هذا البلد .. تحدثنا لساعات طويلة فى كل شئ .. السياسة و الفن و الدين و غيرها .. قُل تحدثنا عن الحياة .. او قُل ان حياتنا فى مجملها ليست مجرد سوى مجموعه من ” قعدات القهاوى ” .. تطرقنا بالطبع للحديث عن الهجرة .. و كانت هى كعادتها تستمع اكثر مما تتكلم .. تركتنا نسكب كلاما كثيرا حول البيئة الطارده و النظام الفاسد ثم ابتسمت فى النهاية و قالت: ” بس فين تلاقى بلد نقعد فيها مع بعض قعدتنا دى لغاية نص الليل .. هناك محدش فاضى يحكى مع حد زينا كده”.

**
نحن نريد ان نهاجر .. و لكننا نريد ان نصطحب معنا اصدقائنا و احبابنا و عم أحمد القهوجى و ” عربية الفول اللى على اول الشارع ” .. و لكن ماذا لو رفضت السلطات استخراج فيزا لكل هؤلاء؟

-4-
“تقريبا كل الاسماء البارزه في السياسه المصريه بعد يناير، و اختفت بعد يونيو ، موجوده في امريكا للدراسه الاكاديميه او العمل الدائم ”
– كلمات ” واحد صاحبى ” على حسابة باحد مواقع التواصل .. كتبه من العاصمة الامريكية واشنطن و انهاه بهاشتاج #مهاجرى_يناير .. #لهم_عودة

طبقا لدراسة ساسة بوست عن دوافع الهجرة التى أشرت لها مسبقا فان 98% من العينة هم طلاب جامعيين اصحاب مستوى مادى متوسط او مرتفع و نصفهم تقريبا ينتمى لما يُعرف بكليات القمة .. ويبدو ان حتى من يهاجر من هؤلاء ليسوا قادرين على طرد الوطن من داخلهم .. يبدو ان أمل العودة مازال يداعبهم .. يبدوا ذلك من خلال نشرهم لموسيقى عمر خيرت بين حين و أخر على حسابهم على ” فيس بوك ” أو انشغالهم بتحليل الوضع السياسى فى مصر أو حتى استمرارهم فى الكتابة بالعامية المصرية الساخرة .. يبدو انهم مازلوا يهتموا لأمر هذا البلد .. مازالوا يملكو بؤسه و تعاسته .. حتى و ان كانوا فى اجمل مدن العالم.

**
نحن لا نريد ان نهاجر .. نحن نريد ان نسافر لبعض الوقت لنتظاهر باننا نحيا سعداء .. لنحيا حياةً مثل باقى البشر و ربما يحالفنا الحظ و نعود أقوى مما كنا لنملك القدرة على التغيير .. وان لم نستطع فعلى الاقل سنجد ما نحكى عنه لاصدقائنا عندما نعود.

-5-
“الحقيقة ستحررك ، لكنها ستغضبك أولا ”

أجد نفسى مضطرا الى ان أقوم بأحد أسوأ الافعال البشرية فى التاريخ .. وهى إيقاظ النيام الآمنين .. بعد ثلاث مقالات عن الهجرة .. أجد نفسى مضطرا الى أن أفصح عن الحقيقة المره .. وهى كالتالى :
اولا : الوضع فى مصر طارد للغاية .. لا يوجد أى شخص فى مأمن من ان تلتهمه دائرة الدماء ولا استثناءات فى ذلك.
ثانيا : لا أمان لاحد فى بيته و اهله و ماله و كرامته مع وجود استثناءات وقتيه بسيطة.
ثالثا: الهجرة فى تلك الظروف نتيجة طبيعية للغاية.
رابعا : للأسف .. للهجرة تكاليف مادية و معنوية انتم – كمصريين – غير قادرين عليها.

**

إن كنت قادرا فأهرب ولا تعود .. و ان لم تكن فأمسح خيار الهجرة من خطتك و ابدأ فى خطة لإصلاح البلد التى ستحيا فيه لبقية عمرك .. حتى ان كنت ستهرب منه لبضع سنين ثم تعود بعد ان تدرك انه وطنا يعيش فيك .. كالسرطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر, هجرة

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد