بعد نهاية القرن العشرين، أصبح الخطاب التحليلي الدولي يتسم بالحديث عن النهايات، نهاية الأيديولوجيات في الخمسينيات، نهاية التاريخ في التسعينيات، كل هذا النقاش يحيلنا إلى دخولنا في عصر جديد أحداثه متسارعة، ومشاكله تتفشى في المجتمع الوطني والدولي كالنار في الهشيم، كما يشير لحاجتنا الملحة لنمط تنموي بديل يقوم على تحرير الاقتصاد من الأيديولوجيات، وتغليب «الصالح الوطني الاقتصادي» العام برغماتيًّا على الاعتبارات السياسوية الضيقة، من خلال برنامج سياسي تشرف على تطبيقه «دولة وطنية» قوية، بشراكة مع فعاليات اجتماعية ذات كفاءة عالية،لترفع التحدي أمام هذه المتغيرات الجديدة، وتبدع أفكارًا حديثة تتماشى وتواكب حركة التاريخ.

بعد أن عرف المجتمع الدولي تفكك تجربة المشروع الاشتراكي السوفيتي القائم على مجتمع المساواة، وفشل  السياسات الليبرالية وتحولها إلى مسخ جديد يسمى الليبرالية الجديدة، وما ترتب عنها من انعكاسات اقتصادية، قد زاد من منسوب الاحتقان الاجتماعي، على إثر تصاعد حدة الإضرابات العمالية والاحتجاجات الاجتماعية الفئوية،فارتدت «دولة الرفاه» إلى دولة الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية على يد التتشارية في بريطانيا، والريجانية في الولايات المتحدة الأمريكية،الأمر الذي خلق حاجة لمشروع اقتصادي موجه للاهتمام بالبعد الاجتماعي، ويستند إلى مرجعية فكرية متكاملة، تتجاوز أطروحة التخطيط المركزي، ومثالب الرأسمالية، وانعكاساتهما على مؤسسات الدولة والطبقات الهشة في المجتمع، في هذا الإطار الاقتصادي الدولي، ظهرت فكرة «الطريق الثالث» من رحم السوسيولوجيا، في سياق يتسم بانسداد الأفق التفسيري لثنائية اليسار واليمين، وطرحت على طاولة النقاش العام كاستجابة لمتغيرات اقتصادية اجتماعية وتكنولوجية جديدة لم تستطع المرجعية الفلسفية والسياسية اليسارية التقليدية أن تستوعبها.

فاستدعت الحاجة السياسية صناع القرار السياسي الدولي للقيام بقطيعة مع السياسات الليبرالية الجديدة، وتبني خيار «الطريق الثالث» سياسيًّا لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ضد ما تبقى من الريجانية في خطاب الرئيس الأسبق «بيل كلينتون» في يناير 1993، كما قامت حكومة توني بلير عام 1997 بتبني الطريق الثالث كبديل برنامجي اقتصادي يحسم مع الليبرالية التاتشارية، بناءً على أبحاث جادة وعميقة قام بها توني بلير أهمها كتابه الصادر عام 1998 والموسوم بـ«الطريق الثالث سياسة جديدة للقرن الجديد».

في الواقع، يعد مشروع «الطريق الثالث» محاولة جديدة لبناء تجربة يسارية متجددة، على أنقاض نظرية وممارسة «الأحزاب العمالية التقليدية»، تلك التي اصطدم رأس منظريها بسقف شروط واقع جديد، فأملت الحاجة على رواد هذا «الطريق الثالث» نهج طريق آخر، طريق يقوم على تجاوز مقاربة «النزعات الراديكالية» التي تميل لتطبيق سلطتها للتحكم في فكرة التغيير، وتوجيه منحاه في شرايين المجتمع بشكل تسلطي. كما تعتمد التوجهات السياسية لمشروع «الطريق الثالث» على الممارسة الفعلية للأفكار، واختبار مدى فعاليتها في المجتمع، في سبيل تجاوز أزمة السيولة الفكرية التي يعاني منها المجتمع ما بعد الحداثي، بعيدًا عن المزايدات الأيديولوجية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن المقاربة البراغماتية لمواجهة التراكمات الحديثة من وسائل الإكراه والإنتاج، والتوزيع العادل للثروة، والربط الجدلي بين السلطة والديمقراطية لتدبير القوة والثروة في المجتمع، دفعت منظري الطريق الثالث للمساهمة في التقعيد النظري لبناء فكري نسقي متكامل، يستعين بمبدأ منهجي يتخذ من وحدة العلوم الاجتماعية بوصلة لفهم متغيرات الواقع الاجتماعي واستثمارها لتغييره لصالح الإنسان والمجتمع. كما يهدف النمط التنموي لمشروع «الطريق الثالث» إلى تحقيق «الرفاه الواقعي/ الإيجابي»، على أسس اقتصاد جديد ومختلط، يجمع بين آليات الرأسمالية والاشتراكية، حيث تشرف على تدبير دواليبه دولة ديمقراطية جديدة، ومجتمع مدني نشيط، وعائلة ديمقراطية، بكل مسؤولية من أجل تعميق الوعي بشمولية المساواة الاجتماعية، والانفتاح على آفاق كونية عبر الاقتناع وممارسة «الديمقراطية العالمية».

إن فهم مصطلح «الطريق الثالث» في عالمنا العربي، يتأرجح بين من يعتقد بأنه مفهوم أجوف فلسفيًّا، فارغ من أي مضمون معرفي متناسق، ومن يقولون بأن هذا الطريق ما هو إلى تعبير عن انزياح اليسار يمينًا نوح قبول بعض من قيم وقوانين اقتصاد السوق. بكلمة واحدة، إن مفهوم الطريق الثالث لا يحمل أي دلالة في ذاته، بل هو إجابة فعلية على مشاكل الاشتراكية الديمقراطية في الدول الرأسمالية، ومحاولة تجاوز أزمات المجتمع الصناعي،الذي يعاني من سيولة بنائه الاجتماعي، وانسداد أفقه القومي، إذ يسعى لإقامة نموذج تنموي اجتماعي جديد قوامه التضامن والرخاء والانفتاح على آفاق عالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد