العام الدراسي على الأبواب مع كل أيلول، منيرًا بإشراقته دروب الحياة مثل كل عام، وكل طلبة العراق والعالم، يستعدون للالتحاق بمدارسهم وجامعاتهم، وركب قوافل العلم والتعليم، بروح متفائلة لغد أفضل، إلا طلبة مدينة الموصل تخلفوا قهرًا وظلمًا عن الالتحاق بمسيرة العلم، ورسم المستقبل. ولسان حالهم يقول ما ذنبنا سوى أنا ضحايا مؤامرة قذرة لمدينة مفجوعة.

إذ مدينتهم ما تزال قابعة في زنزانة الجهل والتخلف والإرهاب والموت، وأرواحهم وقلوبهم تحترق ببطء، وعيونهم ترقب التحرير الذي طال انتظاره حتى يأس أهل الموصل من ذاك التحرير، إذ لا تحرير في الأفق يلوح لهم بعد انتظار مميت، لأكثر من عامين على حساب أرواحهم ودمائهم ودمار مدينتهم.

وكما معلوم بعد احتلال تنظيم الدولة (داعش) لمدينة الموصل توقفت العملية التعليمية لعام 2014 بكافة أشكالها ومراحلها، وضاع مستقبل مئات الآلاف من طلبتها التربويين والجامعيين، ولم يكملوا عامهم الدراسي، ونتيجة لذلك أصابهم الإحباط واليأس والكآبة، بل وصلت ببعضهم التفكير بالانتحار وهم بعمر الزهور والعطاء، وتغرب من أتيحت له فرصة إكمال دراسته في باقي محافظات العراق، بعيدًا عن أهله ومدينته، متحملًا كل الصعاب والمشاق، فأهل الموصل معروفون بحبهم وتفانيهم من أجل العلم والتعلم، كيف وهي مدينة العلم والإنسان والحضارة.

ففي العام الدراسي لعام 2015 و2016، بعد سيطرة داعش على محافظة نينوى أعلنت الخلافة، تحت مسمى الدولة الاسلامية، وحاول تنظيم داعش وبكل الطرق ترغيبًا وترهيبًا، بعد إصدار قرارات وتعليمات صارمة لفتح المدارس والمعاهد والجامعات، ليوهم أتباعه المخدوعين أنه دولة مؤسسات يهتم للعلم والتعليم.

عمل على إجبار أهالي الموصل لإرسال أبنائهم إلى المدارس، وكذلك فرض على الأساتذة والموظفين الدوام، بعد تهديهم بالاعتقال والقتل للممتنعين، وذكر ناشطين إعلاميين من الموصل حدوث عمليات إعدام للممتنعين من الدوام والرافضين لمناهج داعش التي وضعها، حسب معتقداته وخصوصًا للمرحلة الابتدائية والمتوسطة، وإدخال أفكاره التكفيرية المنحرفة الإرهابية بالمناهج، لينتج جيلًا متعطشًا للقتل والإرهاب، وهي مادة التربية الجهادية.

فمنذ البداية امتنع أهل الموصل عن إرسال أبنائهم إلى المدارس، مجسدًا ذلك صورة واضحة للمقاومة والرفض من قبل أهل الموصل للتنظيم وأفكاره، وليس كما يروج الحاقدون أن أهل الموصل حواضن لداعش، بل تأكد للكل عدم خوف أهل الموصل من التنظيم وتحدوه رغم بشاعة إجرامه وفتكه، فكانت هذه أول شرارات المقاومة الموصلية المدنية العلنية لداعش وأفكاره التكفيرية.

بعد ذلك عمل التنظيم جاهدًا للصق تهم جديدة بأهل الموصل، ومحاولًا إنجاح العام الدراسي في الموصل ولو حتى إعلاميًّا، فقد نشر لأكثر من مرة المكتب الإعلامي لولاية نينوى، صور وإصدارات مرئية لمدرسة وعدد قليل من الطلبة، وهم أبناء مقاتليه وأنصاره، ليوهم العالم بأن الحياة طبيعية مع سيوف الموت وجزاريه، ولكنه فشل بذاك مما أضطر لإلغاء العملية التعليمية في الموصل، محملًا أهل الموصل مسؤولية ذلك بتخاذلهم وعدم إرسال أبنائهم إلى المدارس.

لكن بعد أيام سيحل العام الدراسي 2017، وطلبة الموصل يعتصر قلوبهم الوجع، وكما واضح سلفًا كالأعوام السوداء السابقة ليس لهم نصيب من هذا العلم، في صمت مجحف ظالم من قبل المجتمع الدولي والحكومات العالمية، والأمم المتحدة واليونيسكو واليونيسف وغيرها، والإعلام بكافة أشكاله، ومنظمات المجتمع المدني التي تصدع رؤوسنا صباح مساء بحقوق الإنسان، أين الإنسان الموصلي من هذه الحقوق، وهو يحرم من أكثرها أحقية وأبسطها، وهو الحصول على العلم.

طبعًا مع عجز حكومي اتجاه الموصل وأهلها وطلبتها، فقط وعود مزيفة بالتحرير، وتخبط بالقرارات والرؤى. وكذلك معاناة الطلبة النازحين في مخيمات النزوح وباقي المحافظات العراقية، وخارج العراق التي لا تعد ولا تحصى، ويتساءل الطلبة الموصليون إذ ما تحررت الموصل، هل هناك آليات وقرارات من قبل وزارة التربية والتعليم؟ لتعويضهم عن السنين التي خسروها من رصيدهم العلمي، وهم تحت سطوة داعش، أم ستذهب كسراب يحسبه الظمآن ماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد