نسير بالسيارة على الطريق الصحراوي، الواحدة ظهرًا، في رمضان صيفي شديد الحرارة، نشعر بظمأٍ شديد، تداعبنا الشمس «بنية الأنس» بقوة أشعتها التي تضربها على الأرض، وخلق سراب بقيعةٍ نحسبه من بعيد ماءً، ونكتشف عندما نصل إليه أنه لا شيء. فالتقتنا الفكرة، ومع كل بقعةٍ نراها من بعيد يمتعنا وهم أنها ماء، مع يقيننا أنها مجرد انعكاس لأشعة الشمس على الطريق. لكن رؤية المياه من بعيد يشعرك بقرب الارتواء، وإن كان سرابًا.

للوهم سحرٌ قاتل. ترى فيه سعة لسائر أمنياتك، يجعل كل المستحيلات ممكنة. يريحك. لتسلم له كل ما لديك، من إحساس ووقت وتفكير. مثل المحتال الذي ينصب نفسه كاذبًا لراحتك، ويستدرجك حتى تعطيعه كل ما تملك طواعية.

يتسلل إليك رويدًا رويدًا مستغلًا رغبتك في إزالة ظمئك، فيصور لك بحرفة ساحر، كل شيء كما ترغب، ويقلب لك الحقائق، فيحول ألد الأعداء وكأنه ولي حميم. ومن لا يبالي بك إلى حبيب مُتيم. يريك توافه الأمور عظيمة بعظم جبل أُحد. يجد لكل الحماقات مبررًا. بل ولديه القدرة أن يحولها إلى أجمل الصفات التي يمكن لبشر أن يتحلى بها. «على قدر رغبتك في ذلك». يضعك في محل انتظار يجلب السخرية. يقيم حاجزًا بينك وبين نفسك، ويشغلك فلا تنشغل إلا به. مكتفياً. لا تريد لأحد أن يقطع خلوتكما. وقد يقفز بك فوق الأحداث والأشخاص والزمن، فتظنه يسمو بك، لكنه مجرد ارتفاع عابر، يعقبه هبوط اضطراري،أو سقوط حر.

وما إن يستقر داخلك، فيغريك بطول أمده حتى تظنه حقيقة، فتفعل كل هزائل الأفعال التي كنت تنتقدها، لتثبت ذلك. فلا تفلح. وتعود خالي الوفاض، حاصداً اللاشيء.

وما أن يذهب بريق الوهم من عينيك، حتى تتضح صورتك أمام نفسك، فتراها تصغر شيئًا فشيئا، ينقلب كل شيء إلى الضد. يثقل قلبك بخيبات، ما كان يخيل لك أن يحدث بينها وبين قلبك تماس ذات يوم. فتشعر بألم ما في روحك، كأنك ميت بلا موت، أو حي بلا حياة. فتتمنى لو أنك مت قبل هذا، أو كنت نسيًا منسيًا.

قد يأبى كبرياؤك هذا فتحاول إرضاءه، وسد تلك الثغرة، بالفرار والقبول بإحدى التجارب «المعلبة»، فتصبح كالذي يفر من عدو ما، بالدخول في نفق مظلم معتم لا يرى آخره، ولا يعلم ماذا يخبئ بين طيات عتمته. و يبدأ الصراع أمام ذلك النفق بين كبريائك وضميرك، فالأول يدفعك نحوه، والثاني يدفعك عنه، ويظل الصراع قائمًا إلى أن ينتصر أحدهما في آخر الأمر. ربما يجبرك كبرياؤك على الخضوع لسلطانه، والدخول في هذا النفق، فتغيب في غياهبه. وربما يستطيع ضميرك إقناعك، بأنك إذا خضعت لكبريائك، ستسحقه بينما أنت ذاهب لجبره.

حاذر يا صديق، حاذر من ذلك الوهم الذي يتخفى في زي الحقيقة، فإنه أفتك أنواع الوهم. لا تسمح لظمأك بأن يجعلك ترضى بالعيش لأوهام مؤبدة داخل سجن ذاكرتك. فتتوثب للقاء لن تذهب إليه، وكلام لن تسمع به، وحياة لن تعيش فيها، فتتجمد حياتك حتى تتحلل وتذوب كأنك لم تكن. للوهم لذة. نعم. لكنها ستغادرك عاجلًا أو آجلًا، ولن يتبقى لك منها سوى الغصة.التي ستطاردك ولن تتركك إلا على أعتاب ذلك النفق المظلم، غارقًا حائرًا بين صراعاتك.

القليل من الوهم على هامش الحياة لا يضر. قد يفيدك أن ترى السراب وتشبهه بالماء لتستأنس به، لكن ذكر نفسك حتى يأتيك اليقين بأن ما تراه ما هو إلا سراب، وأن للسعادة وجه حقيقي هنيئا لمن رآه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الظمآن, ماء, يحسبه
عرض التعليقات
تحميل المزيد