الأصل في العقل البشري أنه يتوق للتغيير لكي يصنع بيئته الفكرية الجديدة المليئة بالإبداع، وعملية السبق الفكري تعتبر غاية في الأهمية؛ لأنها تجعل المجتمعات تحافظ على ريادتها الفكرية مهما كانت توجهاتها الدينية والمجتمعية، وهو ما كان المسلمون سباقون إليه في عهد سيطرة الحضارة الإسلامية، أما واليوم بعدما اختلف وضع المسلين وتخلفوا فلابد أن نتكيف مع الوضع الراهن حتى يتسنى لنا أن نندمج مع الحضارة التي يوجهها غيرنا، فليس من المعقول أن عقولنا ما زالت تتكئ على الأموات في القرون السابقة.

المفكرون والأئمة الأربعة ينتمون إلى شرطية تاريخية، استطاعوا من خلالها أن يؤطروا زمانهم ومجتمعاتهم بحنكة وقدرة عجيبة، وفق جهد ووعي وأدوات وموجودات تلك الفترة، وبالتالي كل مفكر هو مجتهد في عصره وليس لعصور لم يعايشها، فهل من المعقول أن نعيش بفكر أناس ماتوا منذ قرون، لتأطير حياة أناس يعيشون الحاضر بعقول تنبض بالحياة، ألا ترون أن المنطق خالف نفسه، حين يستنجد العقل الحي بأموات القرون الماضية باستمرار.

أعتقد أن عملية ارتباط الاجتهاد بالموتى ليست وليدة اليوم فقد برزت منذ بداية ظهور الدولة الإسلامية، بعد موت سيدنا عمر عليه الرضوان حين طلب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من سيدنا علي أن يلتزم بما جاء به أبو بكر وعمر عليهما الرضوان، فرد سيدنا علي، بل أجتهد كما اجتهدا، فتوجه عبد الرحمن بن عوف إلى سيدنا عثمان وطلب منه أن يلتزم بما جاء به أبو بكر وعمر، فرد ألتزم بذلك فسلمه الخلافة بعد استشارة وتمحص كبير.

أرجو أن لا يفهم من كلامي أنه دعوة للانقلاب على الفكر والاجتهاد الماضيين، والتأصيل التاريخي للأمور، ولكن العجز الحاصل في التفكير الى درجة أنك تستند وترتاح وتطمئن الى قول الأموات بدل الجرأة في وضع سند وتأصيل لما هو واقع على ضوء تشخيص الحاضر بكل مستجداته وتناقضاته نتيجة لترسبات الرجعية التاريخية في التفكير، هو الأمر الذي يدعونا إلى استفزاز العقل الحاضر لكي نعيش الحاضر، ونستطيع أن تعيش لما هو وجود بما هو موجود فعلًا.

استطاع جمهور الأئمة كالشافعي والطبري وابن تيمية وابن القيم عليهم رحمة الله وغيرهم بكل فخر أن يؤسسوا للفكر في عصورهم للعامة، وهذا لا يعني أن ما صنعوه لا يصلح للحاضر، ولكن الماضي الذي عاشوا فيه يختلف جذريًا عن الحاضر الذي نعيشه، سواء من ناحية المقومات الاجتماعية والحضارية والاقتصادية والتربوية والثقافية وحتى الدينية، وكل ذلك يجسد طريقة التفكير التي يستوعبها الفكر الحاضر الأمر الذي يُولد نوعًا من لا تجانس أو لا توافق.

نحن اليوم نحتاج إلى ثورة بكل ما تحمله الكلمة من قوة، ثورة تستفز عقولنا وطرق تفكرينا لنستطيع أن نتكيف ونتعايش مع العالم الحالي، بطريقة تسهل اندماجنا أو حتى قبولنا في علم تسيطر عليه العولمة بكل تناقضاتها.

إن وضع الإسلام الراهن الذي لا زال يقتات على موائد التفكير التاريخية الي أعدت لتشبع شراهة المجتمعات في ذلك الوقت لابد أن يُرَجَ وأن يُهَزَ بشدة، ربما نستفيق إلى أن الذوق الفكري لم يعد صالحًا في العصر الحالي، سواء بسبب تغير نموذج الحضارة، أو بسبب طبيعة العقل البشري في حد ذاته الذي يتوق للتجديد والتغيير؛ لأن ربط التغير الفكري بتغير نموذج الحضارة فقط قد يدخلنا في دائرة المؤامرة من منظور الكثيرين.

يرجع تفوق الحضارة الغربية اليوم بالدرجة الأولى إلى البنية الفكرية الإنسانية، لأن التفكير في الوصول إلى مجتمع متحضر دون المرور بالإنسان هو مجرد عبث؛ لأن الحضارة تبنى على الإنسان المتخلق استنادًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

إن الفقه والفكر الإسلامي اليوم متعب ومنهك القوى من التقيد بإجابات وتبريرات الماضي، التي أوجدت نوعًا من الموائد الفكرية النمطية التي تفوح منها توابل العصبية، والتعصب الذي نعيشه اليوم لهو نتاج التشبع والانغلاق الفكري على مذاهب اجتهد بها أشخاص في عصور تخلف جذريا عن عصرنا اليوم، حتى وصلنا إلى عدم الجرأة في صنع طريقة تفكير جديدة تخرج عن نطاق تيار أو مذهب سابق.

إن الحل الأنسب للقضاء على التعصب الفكري الذي لا يزال محنطًا في أزمنه وقرون ماضية، هو التفكير والتأصيل بالحاضر، دون أن نهمل أو ننكر ما قام به من سبقونا، مع ترسيخ ثقافة تقبل الآخر، حتى ان كان من ديانة أخرى، فما بالك مع من تجمعنا به نفس الديانة والتاريخ واللغة.

إن مشكلة التفكير اليوم ليست بسبب ما يأتينا من مجتمعات وأديان أخرى، بل هو ما ينبع من نفس المجتمع، ونفس الدين الذي يبنى على التعصب لفكر أو شخص معين، وأخطر أنواع التعصب على الإطلاق هو ذلك الذي يكون بالولاء لا القناعة، الذي نجده في أكبر التجمعات في الدول الإسلامية، ذلك الولاء الذي يرتكز على إلغاء الآخر، الولاء الذي يستغل في عدم تقبل التفكير بطريقة الحاضر، وأحيانًا يستغل في خرق النسيج الاجتماعي وخلق أقليات جديدة.

إن مخرجات الأئمة وخطباء المساجد باتت تشكل عائقًا كبيرًا، بدل الاتجاه نحو فتح سبل جديدة للتفكير بمخاطبة الإنسان بدرجة أولى قبل مخاطبة المسلم المؤمن؛ لأن الجميع تتوفر فيه صفة الإنسان، عكس صفة الإيمان التي لا تتوفر في الجميع، بالإضافة إلى اختلاف المذاهب وعدم تقبل الآخر يضعف من القدرة للوصول إلى طريقة تفكير صالحة للوقت الحاضر.

إن طريقة التفكير الحالية لدى المجتمعات الإسلامية توقفت عند محطة تاريخية، حين كانت الحضارة الإسلامية في قمة عزها، حيث كان التأصيل الفكري يساعد على دعم مقومات المجتمع آنذاك، والشيء المؤسف أننا نتذكر تلك الفترة بنوع من الشوق حتى أننا نحاول العودة إليها بنفس الطريقة والأسلوب كما يقول مالك بن نبي في تحليل الأزمة عند العرب والمسلمين، إنها ليست أزمة عقيدة أو فكر فحسب، وليست مشكلة اصالة مفقودة، أو مشكلة انتكاسة وسقوط في محطة تاريخية، ويستوجب ذلك إعادة الأمر الطبيعي بالانسجام مع صفحات التاريخ المشرقة، وليس بأخذ السند والحجة من واقع الانتكاسات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد