في الآونة الأخيرة وخاصة بعد سنوات الصحوة الإسلامية في الجزائر صارت الأفكار المشرقية تلقى رواجًا كبيرًا لدى المجتمع عمومًا، والشباب خصوصًا، وربما أبرز أنواع الفكر التي استوردت هو الفكر المدخلي المقولب والمعدل جينيًا؛ حتى يصير قابلًا للاستهلاك. وقد استغل هذا الفكر صراحة شغور الساحة الدعوية، بل لنقل ضعفها للانتشار هذا ما أدى إلى تشكل طائفة واسعة تدافع على هذا الفكر، والذي يبقى خيارهم، وهم أحرار فيه، وليس لنا الحق في نقاش خياراتهم، لكن الأجدر بنا هو التنويه إلى ضرورة فهم من هم أتباع المدخلية الحقيقيون.

هم جماعة عرفت انتشارًا واسعًا في العشرية الأخيرة، وهم ضد الجميع يطلقون النار يمنة ويسرة على من خلاف فكرهم ويعتبرونه ضالًا مضلًا مبتدعًا، بل خارج دائرة أهل السنة والجماعة ووجب محاربته فقد حوربت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من هذا الباب، وقد أقاموا عليهم الحجة أنهم من الأشاعرة، ولم ينفع الجمعية لا رصيدها التاريخي، ولا مكانتها الاجتماعية المتجذرة في صفوف الشعب ولا توجهها السياسي المحايد، وهي مشكورة على هذا، ولا رصيدها العلمي من الإطارات والكفاءات العلمية التي تتصدر العمل بها والتي هي واجهتها، وهاجموا جماعة الإخوان المسلمين، ولم تنفعهم تضحياتهم الجسام في سبيل الدعوة، ولعل الشهيد سيد قطب أبرز دليلًا، ولم يلم الأشاعرة والماتريديون والصوفية المعتدلة منهم كذلك، ولم ينفعهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش. إنها بشارة نبوية للإمام محمد الثاني أو محمد الفاتح كما هو معروف به وجل كتب التاريخ تشير أنه أشعري ماتريدي صوفي، ولم يسلم من قرأ القرآن جماعة ووصفوهم بالمبتدعة، وأزالوا حلق الذكر ومجالس تلاوة القرآن من المساجد بحجة البدعة، رغم أن تعريف البدعة يتنافى مع ما ذكروا.

إن السبب وراء اتباع الكثير لهذا المذهب راجع بالدرجة الأولى إلى قضية غسل دماغ الشباب فلو لاحظنا من هم أكثر التحاقًا بهذا الفكر وأشدهم ارتباطا به هم شباب حديثوا الالتزام، أي أنهم يراهنون على غرس المبادئ في الجاهل بعلوم الشريعة والذي لم يستق من منبع الوسطية والاعتدال، فهذا الأخير ستكون المهمة بالنسبة لهم شبه مستحيلة حتى يضموه إلى صفهم، ولو ضموه فلن يرتاحوا له أبدًا خوفًا منه طبعًا وخوفًا من فضحهم. إن قوة من يصطلح على تسميتهم علماء هذا الفكر تكمن في أنهم وجدوا دعمًا خارجيًا كافيًا ولازمًا من السعودية والإمارات تحديدًا حتى ينتشروا رغم أن هاتين الأخيرتين ما تدعمهما إلا لاستعمال هؤلاء الشباب لقصم ظهر المسلمين ليس إلا، فهم يفرقون الإسلام والمسلمين، ولا يجمعونهم أبدًا ومشايخ هذا الفكرة إن صح التعبير ما هم إلا بيادق بيد ربيع المدخلي يحركهما متى شاء وأين شاء، ولنقل كما شاءوا وأين شاءوا.

إن الإشكالية التي أريد تناولها في هذا المقال تكمن في لب هذا السؤال كيف أمكننا أن نضيع قاماتنا العلمية كالشيخ الطاهر آيت علجات والدكتور سعيد بويزري والشيخ عبد الرحمن باعموري والكثير الكثير مما تكنزه أرض الجزائر المعطاء. كيف لنا أن نقبل بأن يعين شيخ من الخارج على أساس أنه الولي الشرعي للسلفية؟ إن هذا الفكر وقواعد المنطق لا يلتقيان أبدًا، وهنا التأكيد يأتي أن هؤلاء الناس ليسوا أداة للم الشمل ووحدة الصف، بل هم أداة للتفرقة والنميمة والعداوة بين المسلمين وهم الخطر الحقيقي على الأمة الإسلامية. إن الشعب الجزائري خصوصًا والمغاربة عمومًا تربى على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي الحق فهل صاروا إرهابيين؟ فهل سمعنا يومًا أن الشيخ عبد الرحمن شيبان سعى لتفريق الشعب الجزائري مثلًا، وهل سمعنا يومًا أن الشيخ الطاهر بن عاشور سعى لتفريق الشعب التونسي، وهل سمعنا أن الشيخ فريد الأنصاري سعى لتفريق الشعب المغربي يومًا؟

نحن من هذا المنطلق لا نرفض المشارقة ولا نستنكر خيرهم علينا، ولا ننساه، فهم السابقون للإسلام، وهم ناشرو الإسلام في أوطاننا، لكن لكل منطقة خصائصها، وأهل مكة أدرى بشعابها، لذا فإنه من الأحسن أن تلعب الجغرافية دورها، وأن يكون الفقيه عالماً بأحوال البلد وأحوال أهله؛ حتى يتمكن من الأداء الجيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد