طبيعي أن يعمل النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي على حل أزمة نقص المياه المتوقع حالة تدشين سد النهضة ووضعه  موضع التشغيل آجلاً أم عاجلاً، وطبيعي أن يطرق المصريون كل الأبواب بشكل سلمي يعتمد على الدبلوماسية الناعمة وبأي شكل من الأشكال، التي تضمن لمصر تأمين حصتها العادلة من مياه نهر النيل البالغة 56 مليار متر مكعب، ويعلم كل  متابع للأوضاع المصرية على الصعيد الداخلي أن الوضع ليس كما كان في السابق من استقرار ونمو اقتصادي على وجه التحديد كمدخل لاستقرار سياسي  متوقع، والذي راهن عليه السيسي أن يأتي سريعًا، منذ توليه سدة الحكم في مــصر.

ولم يأت رغم الدعم الإعلامي والأمني غير المسبوق لم يتحصل عليه أي رئيس مصري من قبل في التاريخ الحديث على الأقل، وهو ما يجعل الوضع السياسي مهتزًا دائمًا، فينعكس سلبًا على أداء الدبلوماسية المصرية في مفاوضات سد النهضة، منذ بدئها بين دول حوض النيل مصر، السودان، إثيوبيا، وما أسفر عنه الاجتماع الأخير من فشل واضح للوفد المصري برئاسة وزير الخارجية سامح شكري وانعكاس ذلك على تصرفاته أثناء البيان الختامي بتحطيم مايك قناة الجزيرة وما سمي وقتها بـ”موقعة المايك”.

 

إثيوبيا استغلت وهن الموقف المصري وضعفه!

لو استعرضنا بداية المشكلة نجد أن إثيوبيا  كانت تتحين الفرصة والوقت والزمان المناسبين لبدء العمل في بناء السد، وخدمتها الظروف بشكل غير متوقع، باندلاع ثورة 25 يناير 2011، وانهيار نظام حسني مبارك الذي كان يخشاه النظام الحاكم في أديس أبابا، في المقابل كان مبارك يكن كرهًا شديدًا لهذا البلد منذ وقوع محاولة الاغتيال التي تعرض لها عام 1995، وكان دائم التأهب على إمكانية الإقدام على عمل عسكري لو تطلب الأمر حالة تهديد إثيوبيا للأمن المائي المصري، وبرحيله سارعت إثيوبيا بإقامة سد النهضة وعملت على الانتهاء منه سريعًا، بدعم سوداني واضح بحجة التكامل بين البلدين في مشاريع الكهرباء والمياه.

في الوقت الذي ركز نظام السيسي في مصر على لملمة أوراقه  داخليًا بعد التخلص من حكم مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ولم يعط “مشكلة المياه” والأهم الاهتمام المطلوب، خاصة أنها تمس أمن مصر المائي مباشرة وتضر بالزراعة المصرية ضررًا بالغًا، ليتغير الموقف وبدلاً من الموقف الإثيوبي الضعيف في عصر مبارك، أصبح الأقوى في عهدي مرسي والسيسي من بعده، وما كان أمام النظام المصري سوى الرضوخ للأمر الواقع بتوقيع “وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في العاصمة السودانية الخرطوم بين مصر والسودان وإثيوبيا مارس الماضي، والتي تعني ضمنيًا الموافقة على استكمال إجراءات بناء السد مع إقامة دراسات فنية لحماية الحصص المائية “في أولى خطوات نحو التسوية”.

 

السيناريوهات المتوقعة لحل الأزمة

وعلى الرغم من الفشل الذي لاحق الوفد المصري في الاجتماع الثلاثي الأخير في الخرطوم، كطرف أصيل ومتضرر أول من الأزمة، إلا أن الخيارات مفتوحة على كل المحاور وهي تنحصر في ثلاثة محاور كالآتي:

المحور الأول: مواصلة الجهود الدبلوماسية من الدول الثلاث خاصة مصر والضغط على إثيوبيا والسودان بضرورة تفعيل إعلان المبادئ ليتحول لاتفاقية جديدة على غرار الاتفاقات السابقة بشأن مياه النيل تضمن من خلالها  مصر حصتها كاملة من المياه، والعمل على عدم الإضرار بها مستقبلاً، وتضمن الاتفاقية موافقة القاهرة أولاً حالة إقدام أي من البلدين السودان وإثيوبيا على عمل يَخل بحصة مصر من المياه والتأثير عليها، وهو الحل الأقرب للحدوث لو أخلصت كل من السودان وإثيوبيا النوايا والاعتراف بحصة مصر بما تقره المعاهدات والمواثيق الدولية التي تقف بجانب مصر بكل تأكيد.

المحور الثاني: تدويل القضية دوليًا وهو أحد الحلول التي ستنصف مصر في النهاية بحسب القوانين والمواثيق الدولية، باللجوء لهيئة تحكيم دولية وقد تكون محكمة العدل الدولية في لاهاي، حاملة معها معاهدات  أبرزها الاتفاقية التي سبق وأبرمتها الحكومة البريطانية – بصفتها الاستعمارية – نيابة عن عدد من دول حوض النيل (أوغندا وتنزانيا وكينيا)، في عام 1929 مع الحكومة المصرية يتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه‏ النيل، وإن لمصر الحق في الاعتراض (فيتو) في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده، كما تنظم تلك الاتفاقية العلاقة المائية بين مصر ودول الهضبة الاستوائية، كما تضمنت بنودًا تخص العلاقة المائية بين مصر والسودان وإثيوبيا وجاءت بنود الاتفاقية كما يلي:

  1. إن الحكومة المصرية شديدة الاهتمام بتعمير السودان وتوافق على زيادة الكميات التي يستخدمها السودان من مياه النيل دون الإضرار بحقوق مصر الطبيعية والتاريخية في تلك المياه.
  2. توافق الحكومة المصرية على ما جاء بتقرير لجنة مياه النيل عام 1925 وتعتبره جزءًا لا ينفصل من هذا الاتفاق.
  3. ألا تقام بغير اتفاق سابق مع الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد قوى أو أية إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي تنبع سواء من السودان أم البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية من شأنها إنقاص مقدار المياه الذي يصل لمصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أي وجه يلحق ضررًا بمصالح مصر.
  4. تقدم جميع التسهيلات للحكومة المصرية لعمل الدراسات والبحوث المائية لنهر النيل في السودان ويمكنها إقامة أعمال هناك لزيادة مياه النيل لمصلحة مصر بالاتفاق مع السلطات المحلية.

وبنود الاتفاقية واضحة بشكل صريح بضمان حصة مصر وتدفق مياه النيل إليها دون المساس بها سوى بموافقتها مما يعطيها الحق في تدويل القضية دوليًا وهو ما يمكن حدوثه حالة فشل المفاوضات.

 

المحور الثالث: أما المحور الثالث وهو الخيار الأخير على تأزم الأمور ووصولها لطريق مسدود باللجوء للعمل العسكري بتدمير السد وتحويله إلى أشلاء أسمنتية متناثرة، وهذا القرار يتطلب قوة في اتخاذه وجرأة في تنفيذه، وهو ما سبق لمحمد علي باشا الإقدام عليه، بدخول السودان والوصول إلى منابع النيل قبل أن يقوم أحد أعداء مصر بقطع المياه عن مصر من المنبع، فتحركت حملات محمد علي من سنة (1820م – 1822م) ونجحت في الوصول إلى النيل الأبيض جنوب الخرطوم وشاهدت الحملة التقاء النيل الأزرق القادم من الحبشة بالنيل الأبيض، وهنا أسس محمد علي باشا مدينة الخرطوم عام 1830م، مستخدمًا القوة العسكرية، لضمان استمرار وصول مياه النيل إلى مصر.

ثم أرسل محمد علي أيضًا بعثة كشفية عرفت ببعثة الكابتن سليم، نزلت جنوبًا حتى التقاء بحر الزراف ببحر الغزال مع بحر الجبل بالنيل الأبيض وهذه هي المنابع الدائمة لتدفق المياه طوال العام، بينما تتدفق مياه النيل الأزرق في فترة الفيضان فقط، كما أن الخديوي إسماعيل الذي حكم من سنة (1863م – 1879م)، فكر هو الآخر في احتلال الحبشة، حتى يضمن استمرار تدفق المياه من النيل الأزرق ونهر عطبرة إلى مصر، خاصة بعد أن ضم أريتريا والصومال إلى أرض مصر، ومن ثم أصبحت الحبشة محصورة بين أملاك مصر في السودان وأريتريا والصومال. وأرسل الخديوي إسماعيل حملة عسكرية بقيادة ضابط سويسري يسمى “منزنجر” يقود جيشًا لغزو الحبشة والاستيلاء عليها سنة 1875م.

ومن الجدير بالذكر أن “أحمد عرابي كان مسؤولاً عن إمداد هذه الحملة، لكن القيادة كانت للأجانب، وفشلت الحملة بسبب عدم معرفة رجالها بطبيعة الأراضي الحبشية، وكان هذا الفشل من أسباب تذمر الضباط المصريين الذين شاركوا بعد ذلك في الثورة العرابية”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد