يقول المنفلوطي:

“إن عارًا على التاريخ المصري أن يعرف المسلم الشرقي في مصر من تاريخ بونابرت ما لا يعرف من تاريخ عمرو بن العاص، ويحفظ من تاريخ الجمهورية الفرنسية، ما لا يحفظ من تاريخ الرسالة المحمدية، ومن مبادئ ديكارت وأبحاث دارون ما لا يحفظ من حكم الغزالي وأبحاث ابن رشد، ويروي من الشعر لشكسبير وهوجو ما لا يروي للمتنبي والمعري”.

كثيرة هي المواقف التي نترك فيها الثمين ونحتضن الغث الرخيص, نترك فيها القيم والمثل العليا والأخلاق, ونغوص شوقًا في قصص البلهاء.

نقدر كل ما هو قادم من الخارج حتى إذا كان يحمل بين طياته عفنًا, ونترك ما هو من صنع أيدينا حتى إذا كان يحمل بين طياته عسلًا, هكذا حالنا منذ زمن بعيد ولم يتغير شيء بعد!

في عام 1844 ألف كاتب فرنسي يدعى “أليكساندر دوما” رواية من محض خياله أسماها “الفرسان الثلاثة”, تدور أحداثها حول ثلاثة حراس ملكيين, مدمني خمور كانوا يعملون خدمًا للملك الفرنسي “لويس التاسع عشر”, وبلغت هذه الرواية الخيالية شهرة واسعة في سماء فرنسا, وتناقلتها السحب من دولة إلى أخرى, فأصبح مدمنو الخمر مثالًا ونموذجًا يحتذى به في البطولة والأمانة.

وفي تاريخنا وتراثنا الإسلامي آلاف من القصص الواقعية, كان من الأحرى لنا أن نلقي الضوء عليها, ونزيل الغبار الراكد عليها منذ سنوات وأيام عدة.

فقبل ذلك بنحو 1200 عام, خرج ثلاثة فرسانٍ حقيقيين, اتجهوا على رأس سرية صغيرة مكونة من 3 آلاف مقاتل تنفيذًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وضحى الفرسان الثلاثة بأرواحهم في سبيل إعلاء راية الإسلام, فمن هم هؤلاء الثلاثة وما قصتهم؟

الفرسان الثلاثة هم: “زيد بن حارثة”، “جعفر بن أبي طالب”، “عبد الله بن أبي رواحة”.

الفارس الأول “زيد بن حارثة”: كان يدعى بزيد بن محمد! وهو الذي اختار محمدًا على أبيه, وهو من أول البشر الذين آمنوا بدعوة الإسلام, وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن, وكان هو الوحيد الذي ذهب معه إلى الطائف.

الفارس الثاني “جعفر بن أبي طالب”: عُرف بجعفر الطيار, ابن عم الرسول, وأخو علي بن أبي طالب وأمير المسلمين بالحبشة، وهو الرجل الذي وقف أمام النجاشي يتحدث عن الإسلام!

الفارس الثالث “عبد الله بن أبي رواحة”: شاعر الرسول, وقال عنه الرسول: “رحم الله عبد الله بن رواحة, إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة”.

قصة هؤلاء هي قصة غزوة مؤتة, التي كانت البدايات الأولى لها حينما بعث رسول الله رسالة سلام ودية إلى ملك “بصرى” وكان مبعوث رسول الله في تلك المهمة “الحارث بن عمير الأزدي”, فقام ملك الغساسنة “شرحبيل بن عمرو” بقتل هذا الصحابي, فأمر الرسول بتجهيز جيش من ثلاثة آلاف مجاهد لتأديب من غدروا بصاحبه, ووضع على رأس الجيش زيد بن حارثة.

وقال الرسول محمد: “إن قُتِل زيد فجعفر, وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة”.

فخرجت نساء المسلمين لتوديع أزواجهن قائلات لهم: “ردكم الله إلينا صابرين”, فرد أحد المسلمين على زوجته قائلًا: “أما أنا فلا ردني الله”. لقد كان ذلك قول أحد الفرسان الثلاثة, عبد الله بن رواحة.

وعند سهل “مؤتة” غدر الروم بالمسلمين, فقاد الإمبراطور هرقل بنفسه جيشًا لقتال ثلاثة آلاف مجاهد فقط, لم يأتوا أساسًا لقتال الروم, وكان جيش الروم يقترب من ربع مليون مقاتل.

فتشاور المسلمون في القتال أو الرجوع، فأصر الشاعر البطل “عبد الله بن أبي رواحة” على القتال, وبالفعل قاتل المسلمون جحافل الروم وأبلوا بلاءً حسنا في تلك الموقعة “مؤتة” وحمل الراية “زيد بن حارثة” كما أمر الرسول, وقاتل قتال الأسود على الرغم من قلة عدد المسلمين, وقُتِل زيد وكان أول شهداء المعركة.

فتناول جعفر الراية قبل أن تسقط وأخذ يقاتل كالأسد المفترس, فقطعوا يده اليمنى, فتناول الرية باليد اليسرى, فقطعوها له, فحملها بعضديه فغرسوا رماحهم في قلبه ليستشهد. ويلقى ربه في الجنة بعد أن عوضه الله بجناحين يطير بهما بدلًا من كلتا يديه.

قال رسول الله: “رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَلَكًا فِي الْجَنَّةِ، مُضَرَّجَةً قَوَادِمُهُ بِالدِّمَاءِ، يَطِيرُ فِي الْجَنَّة”.

 

وعن دور جعفر الرائع في المعركة يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددتُ به خمسين، بين طعنةٍ وضربة، ليس منها شيءٌ في دبره” أي: ليس منها شيء في ظهره؛ مما يفيد أنه قاتل دائمًا من أمام، ولم يفر ولو للحظة واحدة, وكان يقظًا للدرجة أنه لم يدع الفرصة لأحد من الانقضاض عليه من الخلف.

حمل الراية بعد جعفر “عبد الله بن رواحة” قائلًا:

يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِـي *** هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَـدْ أُعْطِيـتِ *** إِنْ تَفْعَلِـي فِعْلَهُمَا هُدِيـتِ

يتحدث مع نفسه ويشجعها على الإقدام وأن تموت على ما مات عليه جعفر وزيد, ونال ما تمنى الشهادة طمعًا في رضا الله ورسوله وأملًا في الجنة.

وهنا تأزم موقف المسلمين وازداد الموقف خطرًا عليهم, فهم وإن كانوا في خطر نتيجة لزيادة أعداد جيش هرقل, أصبح الخطر داهمًا الآن لأنهم أصبحوا بلا قيادة, فماذا يفعلون في هذا الموقف العظيم!

استشهد حمال الراية, وحملها الصحابي “ثابت بن أقرم” وكان ممن شهدوا بدرًا, فنادى في المسلمين أن يختاروا حاملًا للراية فنادوا به, فرفض وأعطاها لـ”خالد بن الوليد” فقال له خالد: “أنت أحق بها مني، أنت شهدت بدرًا”. فقال له البدري “ثابت بن أقرم”: أنت أعلم بالقتال مني.

وحملها خالد وعمره في الإسلام ثلاثة أشهر فقط, قاتل المسلمون بقيادة خالد بن الوليد حتى جن الليل, ونجح خالد في تدبير خطة عسكرية محكمة في الانسحاب من أرض المعركة، وعاد بالمسلمين إلى “يثرب” مدينة رسول الله, وما زالت هذه الخطة العبقرية تدرس إلى الآن في فنون الحرب والقتال.

قال المنفلوطي:

((لا حاجة لنا بتاريخ حياة فلاسفة اليونان، وحكماء الرومان، وعلماء الإفرنج، فلدينا في تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل، والصبر والثبات، والحب والرحمة، والحكمة والسياسة، والشرف الحقيقي والإنسانية الكاملة وهي حياة نبينا – صلى الله عليه وسلم – وحسبنا بها وكفى)).

وما يحزنني أننا غير مكترثين بهذا, وإذا اكترثنا وتناولنا قصص عظماء الإسلام في مناهجنا, فإن تناولنا يكون سطحيًا ولا يهتم بتفاصيل الحدث وهنا تكمن الكارثة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد