مر علينا منذ أيام ذكرى حدث ما، حدث قد أخذ تاريخ الثلاثين من يونيو(حزيران)، وبغض النظر عن ملابساته التي لا تختلف كثيرًا عن أي انقلاب عسكري، أو انتفاضة شعبية، أو ثورة مضادة من مراكز القوى الراسخة في دولنا العربية على حكم هش وليد، فإن ما يتبع تلك الأيام الثلاثة التي أرجعت – وبشكل مختلف – نظامًا قديمًا للحكم مثل سردية الثورة الفرنسية وما تلاها من استعادة آل بوربون للحكم، ثم سقوطهم لاحقًا في ثلاثة أيام، فقد يبدأ الحاكم حكمه بأول مرحلة، ومن الممكن أن نطلق عليها اسم «مرحلة السيطرة» وهي مرحلة الرمح في البلاد واستعباد العباد.

مرحلة يبدأ بها من وصل للسلطة بمحاولة السيطرة على مراكز القوى في البلاد وتطويعها له، تكون تلك المرحلة شرسة وضارية، على الأغلب تكون شديدة الاضطراب وتستلزم قبضة حديدية كي لا تنهار السلطة سريعًا، تكون تلك المعارك بين السلطة الوليدة، وأعدائها في مراكز القوى باطنيًّا، وأعدائها الخارجيين من المعارضين – وأحيانا تكون المعارضة كتلة شعبية ضخمة- ما إن تجري السيطرة على العدو الخارجي لجسم تلك السلطة في غضون بضعة أشهر أو أعوام – حسب قوة مراكز القوى التي تقمعهاة- تبدأ تلك المراكز في الاستفاقة مرة أخرى وتبدأ بالالتفات لنفسها، وتبدأ معركة في الكواليس بين مراكز السلطة الوليدة، والقوى التي قد تشكل تهديدًا من السلطة القديمة.

تلك المعارك لا تحمل طابعًا أيديولوجيًّا على الأغلب أو طابعًا عقائديًّا، بل هي صراع غالب ومغلوب، لكن الأيديولوجية واحدة لأنها مراكز قوى واحدة في الأساس كبنية، ولكن ولاءها مختلف، فمنهم من يوالي النظام الجديد ويراهن عليه، ومنهم من يوالي النظام القديم ويحاول تطويع الجديد – على الأقل – ليخدم مصالحه خدمة شاملة، تنتهي تلك المعركة على الأغلب بانتصار السلطة الجديدة إذا تمكنت من شحن مواردها – سواء كانت شعبية أو سياسية أو قانونية – ضد السلطة القديمة بمراكزها، في ظل تلك المعارك الخفية ورغم الإستقرار السياسي المختلق من الاستبداد، يدفع الشعب الثمن غاليًا، فقد تؤدي تلك المعارك إلى قرارات متهورة ومشاريع تهدف لترسيخ شرعية النظام الجديد، وبعض الألعاب الاقتصادية الخفية من المراكز القديمةؤ التي يكون هدفها هو ردع طموحات المراكز الجديدة أو محاربتها.. إلخ، فيحدث عدم اتزان وهدوء داخل جسم الدولة المتفاعل، فينعكس ذلك بالضرورة على المواطنين المغفلين في حقيقة أن دولتهم مصمتة كالصخر جامدة راسخة.

وما إن تنتهي المرحلة بانتصار «الجمهورية الجديدة القديمة» تبدأ المرحلة الثانية، وهي الأطول والأكثر استقرارًا وفاعلية، فعلى الرغم من أن النظام الجديد قد انتصر، إلا أنه ترك في المجتمع آثارًا اقتصادية وسياسية عميقة سيضطر للتعامل معها طوال مرحلته الثانية، التي يمكن تسميتها بمرحلة «التعايش المثمر»، وهي مرحلة قطف الثمار بالنسبة للنظام الجديد الذي أصبح راسخًا الآن وهي ثمار فاعلية قراراته والسيطرة الكاملة على كافة مفاصل الدولة وأجهزتها، وأن يصبح هو الدولة العميقة مع إقصاء أعدائه القدامى أو دمجهم، وهي – على الناحية الأخرى – مرحلة التعايش بالنسبة للشعب، فهو قد رأي أن هذا النظام «اتعودنا عليه وأهو أحسن من مفيش كفاية مشاريع الإسكان اللي عاملها للغلابة»، وبذلك قد تعايش معه رغم كرهه اللاواعي له، أصبح لذلك النظام الآن بضعة محاسيب ودائرة موسعة من رجال الأعمال والسياسيين الصاعدين في دوائر صنع القرار الخاصة به والذين يضمنون له الشرعية الصورية في كل استحقاق هزلي يقيمه لتعزيز شرعيته الدستورية، تكون تلك المرحلة شديدة الهدوء والسمِّية، فيهدأ نشاط الحاكم ويبدأ بالخمول قليلًا، لكنه في الوقت نفسه ما زال مستيقظًا لدولته ويتابعها كأي حاكم، يحاول توسيع صلاحياته كلما سنحت له الفرصة، يصبح رمزًا وصورة داخل عقول الجميع وأن لا بديل غيره.

تهدأ الاضطرابات تمامًا وتختفي رغم عدم اختفاء ظروفها وأسبابها، ونعيش في حالة «تبات ونبات» مؤقتة طويلة، حتى يبدأ ذلك الحاكم في الخمول التام، ويبدأ محاسيبه ورموز نظامه التي بدأت في التشكل والظهور بأخذ الدفة وتبدأ المرحلة الثالثة تلك والأخيرة عندما يكبر الحاكم سنًّا أو يظل في الحكم فترة أطول من عمر دولة ما، فيضع مقاليد حكمه في الثقات، الذين بدورهم سيبدؤون بالاعتماد على محاسيبهم ورجالهم في إدارة شؤون البلاد، لتبدأ مرحلة «التحلل»، تكون تلك المرحلة مرحلة أخيرة وتدل على نهاية ذلك النظام، يبدأ المحاسيب بالحكم، تصبح شخصية الحاكم شخصية صورية ورمزية وفوق المحاسبة كأنه صانع الملوك والسلاطين وليس أحدهم، ولكنه بكل بساطة لا يحكم بقوة حكمه نفسها في الفترة الثانية والأولى، ليس لشيء سوى تعذره لحكم نظام قد تغلغل وكبر وتضخم بشكل سرطاني داخل الدولة والمجتمع، ولأنه قد بقي في الحكم أطول من تاريخ صلاحيته، تختفي حلول ذلك النظام وقدرته على احتواء المواقف العابرة، تبدأ المشكلات الجذرية التي قد أخفاها وسكنها ببضعة مسكنات – سياسية كانت أو اقتصادية – بالظهور مرة أخرى، تختفي طباع القلق والخوف من أولئك المحاسيب لأن عقولهم الصغيرة تجعلهم يرون أنهم دائمًا في مواقعهم ولن يمسهم أحد، تبدأ الحريات السياسية بالظهور بشكل هامشي مرة أخرى لا لشيء سوى لأن السلطة السياسية قد ضعفت قبضتها وتحللت بسبب سباتها العميق وتكلسها، وعدم وجود جديد في جعبتها، يبدأ الشعب بالاستفاقة من سباته العميق ويدرك أنه لا مفر سوى من شيء واحد، التغيير ولا شيء غيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد