نشر المثقفون في الصين في ربيع عام 1989 ثلاث رسائل مفتوحة تطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين الذين سجنوا في أعقاب حركة «جدار الديمقراطية»، وكانت هذه هي المرة الأولى منذ عام 1986 التي تقدم فيها المثقفون والنشطاء الآخرون بمطالب سياسية منظمة، وقد ساعد بث هذه الرسائل على خلق حالة من التعبير الحر، وهو مزاج إيجابي ارتفع بالفعل نتيجة للانقسام الواضح في القيادة بين الإصلاحيين الذين يقودهم تشاو، والمتطرفين بقيادة رئيس الوزراء لي بنغ، وما أشعل هذا أيضًا كان الموت المفاجئ خلال اجتماع المكتب السياسي لهو ياوبان) في أبريل (نيسان)، بحيث أنه وفي غضون ساعات من إعلان وفاة هو ياوبانغ بدأ الطلاب من عدة جامعات في بكين يجتمعون في ميدان تيانانمين مع أكاليل الزهور وأشعار التعزية.

هكذا وفي الشهرين التاليين اهتزت الصين من قبل أكبر احتجاجات جماهيرية ضد الدولة منذ عام 1949، حيث انتشرت حركة تيانانمين إلى 341 مدينة صينية (ثلاثة أرباع الإجمالي) وانضم إليها مائة مليون شخص، ثلثهم كان من سكان الحضر في ذلك الوقت، ومع استمرار الحركة تأسس اتحاد العمال الصينيين المستقلين بدعم من اتحاد نقابات عمال عموم الصين نهاية مايو (أيار) 1989، والمجموعات الوحيدة التي لم تشارك في احتجاج عام 1989 كان كبار قادة الحزب الشيوعي الصيني والفلاحين، كما أُغلقت صحيفة ليبرالية اقتصادية عالمية رائدة في مدينة بكين.

هذا وقد نشرت السلطات الصينية خلال هذه الاحتجاجات الطلابية قوات الشرطة والجيش بأعداد ضخمة، وذلك لإبقاء المتظاهرين في المدينة تحت السيطرة (بعيدًا عن العنف)، وسعت إلى إشراك الطلاب في حوار مع الحكومة، لكن الرئيس جيانغ زيمين كان قد قوبل بالرفض على نطاق واسع بوصفه شخصية انتقالية ضعيفة عندما وصل إلى السلطة في أعقاب أزمة تيانانمين في عام 1989، لكنه أثبت أنه أكثر من ذلك في العقد التالي، فبعد وفاة تشن يون 1995 ودنغ شياو بينغ 1997، أكد جيانغ تدريجيًّا سلطته من خلال تعديلات في مواقع الموظفين وعدد قليل من التطهير الإداري، كما جاءت أكثر أعمال جيانغ حاسمة ضد المتظاهرين في عام 1999؛ إذ جرى تسليط الضوء على فقدان الحزب الشيوعي الصيني السلطة المعنوية بين مكوناته التقليدية بشكل كبير، وذلك من خلال الاحتجاج في ذلك العام من قبل ما يقدر بـ10 آلاف من أتباع منظمة التأمل البوذي الغامضة.

وقد تولى جيانغ زيمين زمام القيادة، وذلك من خلال الحصول على أغلبية أصوات كبار القادة في الحزب للتصويت لحظر الجماعة المحتجة، مما أدى إلى حركة قمع استمرت عقدًا، وكانت إحدى عواقبها غير المقصودة هي إنشاء المصدر الأكثر تنظيمًا والأكثر التزامًا لمعارضة حكم الحزب الشيوعي الصيني خارج الصين نفسها، لكن داخل الصين كانت حملة «الفالون غونغ» شاملة وفعالة، وذلك مع إرسال العديد من ممارسيها إلى معسكرات العمل، وقد احتشدت الطبقات الوسطى في الصين حول اضطهاد النظام للجماعة، تمامًا كما كان طبقة النبلاء في الصين في القرن التاسع عشر إلى جانب الحكومات الغربية.

هذا ويمكن النظر إلى حكم جيانغ على أنه بداية عهد سياسة النخبة المتوافقة نسبيًّا في الصين بعد حكم الرئيس القوي ماو ودنغ، حيث حصل كل فصيل قيادي على نصيبه العادل من التعيينات، كما جرى تقليص دور الجيش في السياسة، والذي تراجع بالفعل قبل ذلك في الثمانينيات، حيث طهر جيانغ جيش التحرير الشعبي الصيني، وظل المندوبون العسكريون أعضاء عاديين في مستوى قيادة المكتب السياسي للتشاور بشأن المسائل العسكرية، وفي عام 1998 حظر جيانغ الأنشطة التجارية المربحة جدًّا لجيش التحرير الشعبي، والذي كان يدير سلسلة كاملة تبدأ من بيع الأسلحة وتنتهي إلى إدارة بيوت الدعارة.

كما سارع عهد جيانغ إلى عصر «الشرعية الاشتراكية» في السياسة الصينية، وفي عام 1997 جرى تعديل دستور البلاد ليقول إن جمهورية الصين الشعبية يحكمها القانون ويهدف إلى بناء دولة اشتراكية في ظل حكم القانون، كما كان إضفاء الصفة القانونية على الدولة/ الحزب الشيوعي الصيني في عهد جيانغ جزءًا من الانتقال من الديكتاتوريات الكاريزمية، حيث كان قبل ذلك لرغبات ونزوات القادة سلطة أكثر من القانون.

وقد كان كل ذلك نتيجة للمؤتمر الوطني الذي عقد في أكتوبر (تشرين الأول) 1992، حيث التزم الحزب رسميًّا ببناء «اقتصاد السوق الاشتراكي»، ليحل محل «اقتصاد السلع المخطط الاشتراكي»، والذي كان قد وصف بأنه الهدف الرسمي للإصلاح الاقتصادي منذ عام 1984، وهكذا أصبحت التسعينيات سنوات الازدهار بالنسبة للاقتصاد الصيني، كما وسمحت العائدات الاقتصادية لقادة الحزب الذين كانوا ما زالوا يمارسون التقاليد الستالينية بإطلاق سلسلة من المشروعات الجديدة الضخمة، وانخفضت حصة القطاع الحكومي من المشروعات الاقتصادية الحضرية من 60% في عام 1990 إلى 30% بحلول عام 2000.

هذا ومع ترتيب عمليات الخصخصة والتي كانت علامات تدل على مدى الإصلاح والانفتاح في التسعينيات، جرى تأسيس البورصات مثالًا على اقتصاد السوق الجديد، كما أُنشئت مجموعة اجتماعية جديدة من المساهمين، أعقبه حدوث أعمال شغب في عدة مناسبات في التسعينيات للاحتجاج على ما عُد فسادًا في بيع الأسهم والجوانب الأخرى لإدارة البورصة، إضافة إلى أنه في عام 1992 أقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع كوريا الجنوبية الرأسمالية المزدهرة، عدو الصين اللدود من الحرب الكورية، وسرعان ما أصبحت كوريا الجنوبية واحدة من الشركاء التجاريين الرئيسيين لجمهورية الصين الشعبية.

كما أصدرت حكومة جمهورية الصين الشعبية قانونًا ولائحة بعد أخرى سعت إلى إنشاء إطار قانوني لكل من اقتصاد السوق المتوسع، ولكن أيضًا لسياساتها الأكثر قمعًا، ومن الأمثلة على إضفاء الشرعية على القمع، قانون أمن الدولة للتعامل مع المعارضة السلمية (1993)، وقانون الأحكام العرفية للتعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية (1996)، واللوائح للحد من المنظمات غير الحكومية والسيطرة عليها (1998)، وقانون مناهضة لتهديد تايوان وتحركاتها نحو الاستقلال (2005)، ولوائح تمنع التيبيتيين من الاعتراف بالبوذية الخاصة بهم (2007).

الرئيس جيانغ قال إن الحزب الشيوعي الصيني يجب أن يمثل دائمًا اتجاه تنمية القوى الإنتاجية المتقدمة للصين، والتوجه نحو الثقافة الصينية المتقدمة، والمصالح الأساسية للأغلبية الساحقة من الشعب الصيني، واتخذ جيانغ الخطوة الجريئة في قيادة الحزب الشيوعي الصيني للاعتراف بالدور الحاسم لما يسمى الطبقات الاجتماعية الجديدة بوصفها القوة الأكثر ديناميكية في التنمية الاقتصادية للصين، هذا وتشمل الشرائح الاجتماعية الجديدة المجموعات التي أنشئت خلال عملية إصلاح السوق وتدويله، والأهم من ذلك أصحاب المشروعات الخاصة والمديرين والموظفين الفنيين الذين يعملون في الشركات الأجنبية، وكذلك المهنيين والمثقفين وغيرهم ممن يعملون لحسابهم الخاص أو يعملون خارج القطاع العام للاقتصاد، حيث كان هناك ترشيد إيديولوجي للسماح لأعضاء هذه الطبقات بالانضمام إلى الحزب الشيوعي الصيني، وبعبارة أخرى وفي تكيف مبتكر ومثير للسخرية للماركسية/ اللينينية، كان الرأسماليون بوصفهم ممثلين عن القوى الإنتاجية الأكثر تقدمًا في الصين موضع ترحيب في الحزب الشيوعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد