لَرُبَّمَا تَمُرُ السنين والأعوام والليالي والأيام ولا يفعل الشخص شيئًا يكون في حياتِه مفيدًا، ولا في مماته وبعد بَعْثِه!

وإنَّ من الواجِبِ الحِرْصُ عَلَيهِ هُوَ الوقْتُ ومن ذلك أنَّه إذا ذهب فلا رُجُوعَ له!

وقد اهتم الإسلام بالوقت، وقد أقسم الله به في آيات كثيرة فقال الله تعالى: وَالْعَصْرِ (1)  إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. وقال: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2). كما قال الله تعالى في موْضِعٍ آخَرَ من كتابه الكريم: وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ . وغيرُها  من الآيات التي تبين أهمية الوقت وضرورة اغتنامه في طاعة الله.

وَممَّا وَردَ عن أهميَّة الوقتِ في أحاديثِ الصَّادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ:
عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَشَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ.

رواهُ البيهَقِيَُ في المَدْخَلِ إلِى السُنَّنِ الكُبْرى.

وممَّا وردَ أيضًّا في أحاديثِ النبيِّ الكريمِ صلواتُ الله وسَلامُه عليه، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ.

رواهُ الإمامُ البُخاري في صحيحِه – رحمهُ اللهُ رحمَةً واسِعة – والغَبْنُ في اللُّغَةِ : بَيْعُ شَيءٍ نَفِيسٍ وغالٍ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ.

وممَّا ورَدَ في السُنَّة المُطَهَّرَةِ أيضًا ما رواهُ الإمامُ البُخاري في الأدبِ المُفرَد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا.

فالآيات والأحاديث تشير إلى أهمية الوقت في حياة المسلم، لذلك فلابد من الحفاظ عليه، وعدم تضيعه في أعمال قد تأتي علينا بالشَر، وتبعدنا عن طريق الخير، فالوقت يمضي ولا يعود مرة أخرى!

وكما أقولُ دائمًا:

لذلك ترى في تاريخِنا المُشْرقِ المُزهر أنَّ عُلمَاءنا الكرام يُحافظون كُلَّ المُحَافَظَة على وَقْتِهم والسَيْرِ على نهْجِ المصطفى.
ممَّا يُخوّلُهم ذلك اتباعُ سُنَّةِ النبيِّ وصحابته الكرام وآلِ بيتِه العَظام صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين.

قِيلَ للإمام ابنِ المُبارَك رَحمَهُ الله:

إلى متى تطلُبُ العِلْمَ؟ قال: حتَّى الممماتِ إن شاءَ اللهُ.

وقال سيدُنا عبد الله ابن مسعودٍ رضي الله عنه:

إِنِّي لأَمْقَتُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ، فَارِغًا، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا، وَلا عَمَلِ الآخِرَةِ.

وأخْتُمُ هذه الفَقَرة مِن أحاديثِ المُصطفى – صلى الله عليه وسلم – الَّذي أرسَلَه اللهُ رَحمَةً للعالمين وحُجَّةً على النَّاس أجمعينَ.

عن أهميَّة الوقتِ في الإسلام عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ:

 اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ.

ويقُول الخليفَةُ العادل الزاهد الورعُ التقيُّ النَقِيُّ عُمَرُ بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله عنه:

إنَّ اللَّيلَ والنَّهَارَ يَعمَلانِ بِكَ، فَاعْمَل فِيهِمَا.

وظَهَر ذلك الاهتمام أيضًا في أدَبِنا العربيُّ حَيْثُ قال أحمد شوقي رحمه الله:

دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ * * * إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي

فَارْفَع لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَها * * * إنَّ الذِكْرَ لِلْإنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي

وتأتي قيمةُ الوقت بما يقدِّمه الإنسان وينتجه طوالَ حياته، فإدارةُ الوقتِ في الإسلام لا تعني فكرةً مُجردة بحد ذاتها ترمي إلى استغلالِ الوقت، فيترتب عليها زيادةُ الرِّبحِ المادي والإنتاج فحسب، بل هي أكثرُ سُمُوًّا؛ إذ هي هدف روحي ينطلق من رهبة يوم القيامة؛ يوم الحساب والعقاب.

ولذلك قال الدكتور عدنان، النحوي الداعية الإسلامي السعودي الفلسطيني:

 أنَّ الإسلامَ ينظر إلى الوقت نظرةً أكثر سموًّا وعدلاً وصدقًا، فالمالُ الذي يضيع على الإنسان قد يُيسر الله له استعادةَ هذا المال، أمَّا الدقيقة التي تذهب على الإنسان، فلن تعود ولن تستعاد، فهذه سنة الله – عزَّ وجل – في الزمن والحياة، أمَّا قضاء الله في الآخرة، فهو أول ما يحاسب عليه الإنسان.

وللذلك علينا أن نستغل ألأوقات وأن نجعل حياتنا كلها لله فلا نُضيِّعُ من أوقاتنا ما نتحسَّرُ عليه يوم القيامة، فالوقت سريع الانقضاء فهو يَمُرُّ مَرَّ السَحَابَ، وفي ذلك أَقُول:

 انْقَضَت سِنِيْـنٌ بِالوِصَـالِ وَالهَنَـا *** فَكَانَتْ مِن قِصْرِهَا أيَّامُ

ثُمَّ أَتَتَ أيَّامُ هَجْرٍ بَعْدَها *** كَانَت مِنْ طُوِلِها أعْوَامُ

ثُمَّ رَاحَت تِلْكَ السُنُونُ وَأهْلُهَا *** فَكَانَت وكَانُوا كَأنَّهُم أحْلَامُ

والبَرَكَةُ في العُمُرِ أيضًا هي من أهمِّ مايحتاجُها الشخصُ في حياتِه كي يَسْعَد كُلَّ السعادة في الدُنيا والآخِرة.

فكيف تعرف أنَّ عُمُرَكَ مُباركٌ؟

عندما يوفقُك الله لطاعته بشُغِلَكَ بالطاعة والذكر وتبليغِ دينِ الإسلام فهذا من مُبارَكَةِ اللهِ لعُمُرِ الإنسان، وفي ذلكم الوقت الذي كانت فيه الطُرُقُ وَعِرَة والأوقاتُ شَحِيحَة، يقُولُ – صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم – فيما رواهُ الإمام مسلم:

مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ : فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ : فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ.

فهذه أمورٌ كريمةٌ اجتمعت في من هو خيرُ النَّاس بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في سيّدنا أبي بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه في بُرهَةٍ من نهار وذلك أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ بارَكَ لهُ في عُمُرِه وعلَّمه أينَ يقضي وَقْته وإلَامَ تَخْطو قدَماه، لكن أن يجلس الإنسان بالسّاعات على الشاشات إمَّا على فجور أو مُنْكر! وأن يُحَدِّثَ هذا ويغتاب هذا! ويَفْعَلُ سيِّئَةً تَتْبَعُها سَيِّئة، ومن ذَلِكَ يَكونُ عليه حَسْرة تَتْبَعُها حَسْرة! وإن قام للصّلاة قام مُتَكَاسِلًا، وإن وقف بين يدي الله عزَّ وجلَّ انشَغَل بما خلّفَهُ وراءَ ظَهْرِه! يَنْتَظِرُ حتَّى يَفْرُغَ الإمامُ كي يعودَ كما كان قبل ذلك!

وأقولُ:

 إذا وَقَرَت عَظَمَةُ اللَّهِ في قَلبِكَ استحيّيتَ أن تنشغل بأحدٍ لا يُقَرِبُكَ إلى اللَّه

ومن أسباب البركة في العُمْرِ

  1.  تقوى الله جل وعلا.
  2. الدعاء.
  3. أخذ المال من طرق حلال.
  4. أخذ المال بسخاوة نفس.
  5. الصدق في المعاملة من بيع وشراء وتجارة وشراكة ونحوها.
  6. التبكير في قضاء الأعمال والتجارات وطلب العلم وغير ذلك.
  7. اتباع السنة في آداب الطعام.
  8. استخارة المولى جل وعلا في الأمور كلها.
  9.  أن يرضى المؤمن بما قسم الله له من رزق.
  10. العدل.

وندعو في نهاية هذه المقالة بِدُعاءٍ كَرِيمٍ من الكريمِ النبيِّ – صَلَّى اللَّه عليه وسلَّم – علَّمنا إيَّاهُ بعد أن كان يدعو به:

اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَزِدْنَا عِلْمًا إِلَى عِلْمِنَا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد