مضت قرون طويلة رسخت عند بني اﻹنسان عقيدة أن الزمن يسري من الماضي للحاضر إلى المستقبل، وأن اﻷحداث المتزامنة تقع في الوقت ذاته، أيًّا كان موقعك، في القاهرة أو أمستردام، وحتى بالقرب من نجم الشِّعْرَى اليمانية؛ لذا صُك مصطلح: سهم الزمن، للدﻻلة على أُحادية اتجاه السريان. بالتالي أن ما كان قد كان، أصبح من الماضي، وﻻ يمكن الرجوع إليه.

شيء آخر حَاكِم في مسألة الزمن، ذلك أنه ﻻ يمكن «تسريعه» بحيث نصل لزمن مستقبلي «اﻵن». وبالتأكيد ﻻ يمكن إرجاعه للماضي كما أشرنا. ﻻ بإيقاعه الطبيعي، كما تُشعِرُنا تكات الثواني، وﻻ بأسرع وﻻ بأبطأ منها. جدير بالذكر أنه مع تطور العلوم في القرن العشرين صيغ تعريف للزمن، أو بالأحرى وحدته اﻷساسية: الثانية، من خلال تعريف الوقت المنصرم بين حدثين على المستوى الذري. وبنيت «الساعات الذرية» التي تصل درجة دِقتها أنها قد تُقدِّم أو تُؤخِّر ثانية واحدة فقط كل ثلاثين مليون سنة!

منذ حوالي قرنين صاغ بعض علماء الفيزياء والكيمياء قوانين تتعلق بالحركية الحرارية Thermodynamics عندما كانوا يدرسون سلوك المواد تحت تأثير الحرارة. الذي يعنينا من تلك القوانين، ونحن نتحدث عن الزمن، النتيجة التي تقول بوضوح إن «درجة حرارة» الكون في زيادة مضطردة؛ من ثم فالعشوائية في حركة الجزيئات تزداد كل ثانية، وأن الكون بالتالي يتجه إلى الفوضى العَارِمَة بمضي الزمن! أطلق العُلماء اسم: إنتروبي Entropy على الدالة الرياضية التي وصفت المسألة السابقة. بالتالي، فإن مقدار التغير فيها دائمًا يساوى قيمة مُوجبة.

رسخت دالة اﻹنتروبي عقيدة سهم الزمن، فهو ماضٍ ﻻ محالة للأمام، للمستقبل. ويبدو هذا صحيحًا فعلًا؛ لأنك – ببساطة- ﻻ يمكنك استرداد جزيئات العطر التي تبخرت من زجاجتها التي تركتها بلا غطاء.

أينشتاين Einstein

كل شيء كان مستقرًا. الزمن يسير، ونحن معه، إلى أقدارنا المحتومة. حتى جاء أينشتاين عام 1905 بكلام جديد. وجاء من بعده ثُلَّة من العلماء الشبان من بلدان أوروبا الغربية هزوا العالم هزًّا بغرائب نظرية ميكانيكا الكم.

صاغ أينشتاين نظريته النسبية الخاصة مشترطًا في مستهلها شرطًا عجيبًا «مضى أكثر من قرن ولم يستطع أحد أن ينقضه!» لقد اشترط ثبات سرعة الضوء، واﻷهم أنه سقف السرعات، فلا شيء أسرع منه. قادته تلك الفرضية إلى نتائج جسام؛ منها أن الزمن متوقف بالنسبة لشعاع الضوء! سوف يعني هذا أن فوتونًا ضوئيًّا خرج من نجم في أطراف الكون سيصل إلى عينك بعد مليارات السنين دون أدنى تغير في خصائصه، دون أدنى تغير في سرعته؛ إذ بطريقة أو أخرى، لم يفعل الزمن فعله فيه. يُسَمون تلك الفوتونات في علم الفلك: الفوتونات الخالدة!

توالت الطرقات المفزعة لنتائج النسبية الخاصة والعامة بلكمتين في وجه الفيزياء الكلاسيكية كانتا بمثابة الضربة القاضية. اﻷولى، أن الزمن يتباطأ عند السرعات العالية حتى ينعدم تمامًا إذا ما وصلنا لسرعة الضوء. وهذه الخاصية العجيبة للزمن قد اختبرت عمليًّا بعد وفاة أينشتاين ببضعة عقود، عن طريق رصد التأخير الضئيل للغاية الذي طرأ على ساعة ذرية وُضِعَت على متن طائرة نفاثة، مُقارنة بأُخرى، مُتزامنة معها، موجودة في أحد المعامل على الأرض.

الثانية، أن الزمن سيتباطأ بجوار الكُتَل السماوية العملاقة. وﻷن تجربة شيء كهذا مستحيلة إلى الآن، فليس أمامنا سوى التجربة الخيالية، لنتصور أن توأمين ذهبا في رحلة استكشافية لنجم «أنتاريس Antares» المهول، الذي يقترب حجمه من ألف ضعف حجم شمسنا. أحدهما بقي في المركبة الفضائية بمدار قريب من النجم، واﻵخر نزل في جو النجم ليُجري بعض التجارب التي استغرقت منه ساعة واحدة بتوقيت أنتاريس. المسكين حين عاد إلى المركبة الفضائية وَجَد أن أخاه قد هَرِم وتقدم في العمر بضع عشرات من السنين. إذن الزمن يمر بجوار أنتاريس على مهل!

لقد تبخرت فكرة التزامن وسريان تكات الساعة على وتيرة واحدة. انهار عرش الزمن في الفيزياء الكلاسيكية. ومع هذا، على أقل تقدير، ما زال سهم الزمن ذا رأس واحدة، تشير للمستقبل. قد يتباطأ، لكنه ﻻ يتسارع. ويسري من الماضي للحاضر إلى المستقبل. لكنه ﻻ يعود أبدًا للوراء.

كان هذا صحيحًا، حتى أظلنا العقد الثالث من القرن العشرين. عندما تكلم ماكس بلانك Max Planck وشرودنيجر Schrödinger وهايزِنبيرج Heisenberg بألغاز عِلم جديد يدرُس ميكانيكا المادة عِند مُنتهى صِغَرها، ميكانيكا الكمQuantum Mechanics حتى إن أينشتاين، الكبير، لم يتمالك نفسه من الغضب وهو يُعلِّق على نتائج الكم غاضبًا بقوله: إن الله ﻻ يلعب بالنرد!

لنحكِ المسألة من البداية

شهدت بداية القرن العشرين وحتى ثلثه اﻷول العصر الذهبي للفيزياء النظرية؛ إذ بعدما شاعت مفاهيم النسبية وَثَق الناس في الرياضيات وما تمليه من نتائج، مهما كانت غرائبها. ولقد تبين أن الطاقة بصورها التي نعرفها ليست «فيضًا» مستمرًا، وإنما هي متوالية هائلة من كميات «أو كمَّات» غاية في الضآلة، ومن هنا التصق اﻻسم بهذا الفرع من الفيزياء النظرية: ميكانيكا الكم، الذي أرساه اﻷلماني ماكس بلانك، الرجل الذي سيكرم لاحِقًا بإطلاق لقبه على عدة أشياء في الفيزياء النظرية فيما بعد. أشياء أرهقت العقول وما تزال!

ثم وضع شرودنجر معادلته الشهيرة المؤسسة على ااحتماﻻت، ليقول لنا كيف يمكن أن نحسب احتمال وجود جسيم كاﻹلكترون. لم تكن النتيجة أكيدة، بأن نقول مثلًا سنجده في هذا الموضع أو ذاك، ﻻ، ﻻ، لقد بيَّن شرودنجر أن بإمكاننا فقط أن نقول إنه موجود في فراغ ما له شكل هندسي محدد حول النواة. ثم ازداد الطين بِلَّة بمعادلة هايزنبيرج التي اشتهرت باسم: مبدأ عدم اليقين Uncertainty Principle، التي بموجبها ﻻ يمكننا الحديث عن سرعة اﻹلكترون «في الواقع كمية التحرك له، أي حاصل ضرب سرعته في كتلته» وموضعه في آن واحد.

ما هذا؟ في العالم الكبير، الذي نرصده بحواسنا، نستخدم مبادئ الفيزياء الكلاسيكية بكل ثقة، ونحسب بقوانين نيوتن Newton وقوانين كِبْلَر Kepler السرعة، وكمية التحرك، والموضع بكل دقة، هنا على اﻷرض ولكل اﻷجرام السماوية. فما بال العالم الصغير، الذي من وحداته البنائية بُنيَت أجسامنا وبنيت اﻷرض وأجرام السماء. ما باله يزخر باللايقين؟

عودة إلى أينشتاين

عندما تنتهي من قراءة هذه الفقرة ستكون أنت والكرة اﻷرضية بأكملها على بعد آﻻف الكيلومترات من الموضع اﻷول، الذي بدأت عنده القراءة. لربما تظن أنه لو امتد بك الزمن لعام كامل فستعود للنقطة ذاتها في الفضاء، أنت والكرة اﻷرضية بعد شوط واحد حول الشمس. لا، هذا غير صحيح. ببساطة ﻷن الشمس ومجموعة الكواكب حولها ترتحل هي اﻷخرى في ذراع من أذرع المجرة، والمجرة بدورها ترتحل عبر الفضاء مع مجموعتها القريبة من المجرات إلى حيث ﻻ يعلم إﻻ الله. الكون بأكمله يتمدد. وهذا يعني ببساطة أن «نسيج» الفضاء نفسه يتمدد.

لكن مهلًا، أليست الحركة في المكان حركة أيضًا في الزمان؟ بالتأكيد. لذا صاغ أينشتاين نظريته النسبية العامة، وقد أتحفنا بهذا التعبير: الزمكان Spacetime أي الزمان والمكان كوحدة واحدة ﻻ يمكن دراسة أحدهما بمعزل عن اﻵخر. لقد كانت إحدى نتائج النسبية العامة تباطؤ الزمن بجوار الكتل الكبيرة كما أوضحنا من قبل. لكن ما السبب يا تُرى؟ يقول أينشتاين إن وجود الكتلة العظيمة في الفضاء يشوه «نسيج» الفضاء، نسيج الزمكان. وبقدر عِظَم الكتلة يزداد التشوه في النسيج. ومن هنا فإن ضخامة الكتلة يستتبعه تباطؤ الزمن. إن استوعبنا الفكرة، يُمكننا أن نخطو للأمام خطوة، لنسأل: ما هو بالضبط نسيج الزمكان هذا؟

ميكانيكا الكم مرة أخرى

المكان مرتبط بالزمان. فهمناها هذه؛ لكن حين يصبح الكلام عن المكان بمعنى «الفراغ» تتخاصم النسبية العامة مع ميكانيكا الكم خصامًا لم يُفلح أحد في جبره حتى الآن.

تقضي النسبية العامة بأن نسيج الزمكان «ناعم»، فلو تخيلت أننا أزلنا كل ما في الكون من مجرات وشموس وكواكب… إلخ، سيبقى لك «الفراغ» ذاته، وهو نسيج الزمكان الذي «تسبح» فيه كل موجودات الكون، ومهما درست خصائصه عند منتهى صغره ستجده «ناعمًا»، «مُتصلًا» لا شِيَة فيه. بينما هذا الزمكان نفسه في منظور ميكانيكا الكم، وعند منتهى صغره، عالم مجنون بسُعِار التمزقات، فقد يتمزق ويُعاد رَتْقه، وقد تظهر به جسيمات من لا شيء على الإطلاق، وقد تختفي، وقد تتحول من صورة لأخرى.

لعل أهم الأمثلة الغريبة في عالم الكم، تلك التجارب التي تمت في النصف الثاني من القرن العشرين، على الجسيمات في مُحطمات الجسيمات «حيث كان يسرع حركة جُسَيمين في مسارين مختلفين، ثم يُفتح لهما معبرًا ليتصادمًا»؛ إذ رصد العلماء ظهور جُسيم من مجال للطاقة المحضة، كأنما انتُزِع من نسيج الزمكان! الذي درس الفكرة نظريًّا في ستينيات القرن الماضي كان بيتر هيجز Peter Higgs، وتنبأ بخصائص هذا الجُسيم العجيب، الذي ينشأ كما لو أن الطاقة قد «تكثَّفَت» فأصبح لها كُتلة. الجدير بالذكر أن إثبات وجود جُسيم هيجز عمليًّا قد تم بالفعل عام 2013 في محطم الجسيمات العملاق التابع للمنظمة الأوروبية للبحوث النووية، المعروف باسم سيرن CERN، ومُنِح هيجز جائزة نوبل في الفيزياء عام 2014، وقد ناهز الخامسة والثمانين من العمر.

قرب انتصاف القرن الماضي ذاعَت فكرة أن عكس الزمان والمكان للخلف ستصل بنا حتمًا إلى اللحظة التي بدأ عندها كل شيء. بمعنى أنه لو تصورنا انسحاق الزمكان في نقطة هندسية «عديمة الأبعاد»، سنحصل على لا مكان ولا زمان «الزمن = صفر»، وفي الوقت نفسه سيكون لدينا كمية خرافية من المادة المنسحقة، أو الطاقة المحضة كما أخبرنا أينشتاين في معادلته الشهيرة، عند درجة حرارة مهولة، يُمكن تصورها تنفجر ناشرة الزمان مع المكان في لحظة بداية وجود الكون. عُرِف هذا التصور بنظرية الانفجار العظيم Big Bang theory.

في وقت متأخر نسبيًّا دخل على الخط ستيفين هوكينج Stephen Hawking ببحث عبقري نال به الدكتوراة في ستينيات القرن الماضي. كان بحثه تطويرًا ﻷفكار روجر بنروز Roger Penrose في إطار ما بات معروفًا باسم نظرية الانفجار العظيم لتفسير النشأة الحرارية للكون عند الزمن صفر! عالج هوكينج لحظة ميلاد الكون، ميلاد الزمان والمكان، كما لو كانت «مُفْرَدَة»، أي حادثة غاية في التفرد Singularity كتلك الموصوفة للثقوب السوداء «وهي ما تبقى من نجوم هائلة ماتت»، لكن لذلك قصة أخرى.

أين المشكلة إذن؟!

تقضي ميكانيكا الكم أن أصغر حيز مكاني في الكون هو طول «حجم» بلانك، وهو رقم غاية في الضآلة، لكن ﻻ يساوي الصفر. كذلك ثمة زمن أسموه أيضًا زمن بلانك، وهو أقصى ما يمكن أن نعود به للوراء في حسابات الزمن. رقم غاية في الضآلة إﻻ أنه – أيضًا- ﻻ يساوي صفر. وقد أضافت نظرية الأوتار لاحقًا فكرة مُفادها أن ثمة وتر قابع هناك في العالم عند منتهى صغره، وتر مشدود طاقته هائلة، يتذبذب بطرق مختلفة مُنتجًا كل الجسيمات تحت الذرية. لاحظ أنه وتر، أي له بُعد واحد، وبالتأكيد ليس طوله صفرًا، طوله = طول بلانك الذي أشرنا له من قبل «دون أن يكون لذلك معنى فيزيائي يُمكن تصوره. فقط هكذا قضت مُعادلات الأوتار».

هذه الفرضية حلت مشكلات فيما بدا، تتعلق بتوحيد قوى الطبيعة الأربعة في إطار نظري رياضي واحد. وبدأت أصوات تقول إننا بتنا قاب قوسين أو أدنى من «نظرية كل شيء Theory of Everything» التي آمن بوجودها أينشتاين في زمانه، بالرغم من أن قُوى الطبيعة المعروفة في وقته كانتا اثنتين فقط!

الذي يلفت النظر هنا بالنسبة لمسألة الزمن، أن حكاية الصفر الهندسي غير جائزة بالنسبة لميكانيكا الكم والأوتار. فلا الطول (أي المكان) يُمكن انسحاقه للصفر، ولا الزمان يمكن أن يصل إلى الصفر. هذه الخلاصة تستلزم بالضرورة عدم وجود نقطة في «الزمن» للحظة التي بدأ عندها كل شيء!

تمهل! إن المنتج العلمي النظري، الذي بمساعدة الهندسة قد يتحول لشيء نافع «وأحيانًا ضار!»، شيء واقعي يصل لكل الناس. أما الفلسفة، فيما يخُص النشأة والمآل، فأجدها حوار حياة، ليست حياتي أو حياة قارئ هذا المقال، بل حياة الإنسانية جمعاء، على مر العصور. وما تدري ماذا يُخبئه المستقبل من مُكتشفات قد تجعلنا نُعيد تشكيل كل تصوراتنا عن الكون، والحياة، والإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد