ليس هناك ديقراطية  بدون حرية  تداول المعلومات

ليس هناك مكافحة للفساد  بدون حرية  تداول المعلومات

ليس هناك تنمية عادلة  بدون حرية  تداول المعلومات

 

 

“لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير،

ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل،

 واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت

 دون تقيد بالحدود الجغرافية”.

المادة 19 من الإعلان العالمى لحقوق الانسان 1948م

 

من الملفت، تعمد الدستور المصرى 2014، أن يتجاهل حق المواطن فى البحث والتنقيب عن الأخبار والمعلومات، كما يتجاهل حقه فى تلقي هذه المعلومات والأخبار من الغير، ومن حقه أيضا إذاعتها بكل الوسائل وفى كل الأماكن! وهى الحقوق الواردة فى العديد من المواثيق الدولية والإقليمية، والموقع عليها من الحكومة المصرية منذ عشرات السنين! تلك الحقوق الواردة في المادة 19 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والذى ينص على “..حق كل شخص فى استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”!(1).. كما أن المادة32  من الميثاق العربى لحقوق الإنسان، 2004)) قد نصت على نفس هذا الحق الوارد في الإعلان العالمى لحقوق الإنسان! (2)..

وهو نفس الحق الذي نصت عليه المادة 19 من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” للأمم المتحدة، (3) والتي وقعت عليه مصر بتاريخ 4 أغسطس 1967، وصدقت عليه في 14 يناير  1982! “لكل شخص الحق.. دون تقيد بالحدود الجغرافية”- وهو ما يعنى أنه حق، ليس للمواطن داخل الوطن فقط، وإنما كل شخص، سواء داخل الوطن أو خارجه، كذلك المادة التاسعة من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، (4) والذي صدقت عليه مصر فى 20  مارس 1984م.

لقد اكتفت المادة 68 من الدستور المصرى 2014، بقول إن “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية.. وفقاً للقانون”! (5) أي أن الدستور المصري 2014، قد تجاهل عن عمد تلك الحقوق الواردة في المواثيق التى وقعت عليها مصر، واكتفى بالحق فى الإفصاح – مجرد الإفصاح- عن البيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية، وتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية .. وفقاً للقانون، دون الحق فى البحث والتنقيب عن الأخبار والمعلومات، وأيضا دون الحق في تلقي هذه المعلومات والأخبار من الغير، ومن الحق في إذاعتها بكل الوسائل!

إن حق تداول المعلومات قد ظهر لأول مرة في المادة 47 من دستور2012، (6) أما في دستور 2014، فقد تم نقل الشروط المقيدة لحق الحصول على المعلومات (المساس بالحريات الخاصة، وحقوق الآخرين، والتعارض مع الأمن القومي)، الواردة كنص دستورى فى المادة 47 من دستور 2012، قد تم نقلها إلى القانون في نص المادة 68 من دستور 2014!.. أى أنه خفض المرتبة التشريعية للشروط المقيدة لحق، “الحصول على المعلومات”، من مرتبة أعلى كحق دستورى، إلى مرتبة أدنى كحق قانونى فقط!

 

ديمقراطية بدون «أوكسجين الديمقراطية»!

بالرغم من مرور عامين على إقرار الدستور المصرى 2014، إلا أنه حتى هذه الحقوق الدستورية المنقوصة والمقيدة، لم تتحقق بعد! لعدم صدور القانون الذي ينظم العمل بها، وفقا لنص الدستور نفسه! إن الغياب الطويل لصدور قانون حرية تداول المعلومات، “أوكسجين الديمقراطية”(7)، والذى بغيابه، لم تتم، ولن تتم، أية ممارسة لأية حقوق، سواء تلك الحقوق المذكورة في الدستور، أو بالطبع، تلك الحقوق التى تم تجاهلها في الدستور عن عمد، إنه  خنق للديمقراطية الموعود بها في الدستور المصري!

إن عدد الدول التى أصدرت قوانين حرية تداول المعلومات بلغت 102 دولة في نهاية 2014، وأكثر من 90 دولة تعترف بحق الوصول إلى المعلومات في تشريعاتها، وهناك العشرات من الدول التي تتضمن دساتيرها هذا الحق(8).

وعلى الرغم من العديد من مشروعات القوانين لحرية تداول المعلومات التى قد تم إعدادها وتقديمها, إلا أنه وإلى الآن لم يصدر قانون “حرية تداول المعلومات”!، فمنذ عام 2012، قامت بعض منظمات المجتمع المدني والأكاديميات والشخصيات العامة بصياغة “مشروع قانون حرية تداول المعلومات، هذا بالإضافة للعديد من مشروعات القانون التى أعلنت العديد من الجهات الحكومية، عن الانتهاء منها، استعدادا لرفعها لرئيس الجمهورية! فقد أعد كل من وزارة الاتصالات (9)، ووزارة العدل (10)، ووزارة التخطيط والإصلاح الإدارى (11)، والمجلس القومى لحقوق الإنسان (12)، واللجنة العليا للإصلاح التشريعى(13)، مشروع قانون لحرية تداول البيانات والمعلومات، ورغم ذلك لم يصدر القانون!

زمن التعتيم يغرب: زمن المعرفة يشرق!

الإنترنت كمصدر غير رسمى للمعلومات، ولكن لا يقاوم! أدت التغييرات التكنولوجية الهائلة في العقد الماضي، خاصة في وسائل الاتصال، إلى إيجاد فرص جديدة لحرية التعبير وحرية تداول المعلومات، ولاكتساح وسائل التواصل الاجتماعى عبر الإنترنت، وظهور ما يمكن أن يطلق عليه “المواطن الناشر”، وهو دور جديد للمواطن أخطر وأكثر تأثيرا بما لا يقارن بالدور السابق “المواطن الصحفى”، باعتبار أن حرية النشر، وليس حرية التحرير، هى مربط الفرس في إشكالية حرية التعبير، لتأخذ “سلطة المواطن” منحى تاريخيا جديدا، يتجاوز كل أشكال التمثيل النيابى السابقة، حيث أصبح المواطن أكثر قدرة على تمثيل نفسه بشكل أكثر مباشرة.

ويأتي القانون الحكومى المرتقب، في سياق عدد من القوانين المكبلة للحريات، وأبرزها قانون التظاهر، الذي يجور على حرية الرأي والتعبير، وقانون مكافحة الإرهاب، المقيد للحريات العامة والخاصة، كما قوبل مشروع القانون الحكومى، الخاص بتداول المعلومات، أيضا بالعديد من الانتقادات، باعتباره يضيف المزيد من القيود على الحريات العامة والخاصة، ويتوسع في التنصت على المواطنين، بالاضافة لوجود مادة تقترح عقوبة الحبس لمن ينشر الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي(14).

وبدأت قصة فرض الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعى، عندما قررت وزارة الداخلية قبل شهور فرض “قبضة إلكترونية” على شبكات التواصل الاجتماعي، وطلبت من شركات عالمية نظاما إلكترونيا لرصد “المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي” وقال مسئول في وزارة الداخلية لرويترز إن “المراقبة العادية لمواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المواقع، لم تعد كافية مع الزيادة الكبيرة في استخدامها خلال السنوات الماضية”(15)!

 

«سلاح التسريبات» يتحدى حجب المعلومات!

بالرغم من أن “سلاح التسريبات”، سلاح قديم، قدم التاريخ، حيث تم استخدامه فى الحروب والصراعات من قبل الأطراف المتصارعة المختلفة، كلُ يتجسس على الآخر، وإن كان بأشكال وأدوات مختلفة، حسب درجة تطور هذه المجتمعات، إلا أن التطور التكنولوجى الهائل في العقود الأخيرة، قد أدى إلى أن تصبح ظاهرة التسريبات أكثر انتشارا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد ما أثاره من جدل على المستوى الدولي موقع “ويكليكس”، الذي أعلن مؤسسه ومديره “جوليان أسانج” بعد عام واحد من تأسيسه (2006)، إنه يمتلك قاعدة بيانات لأكثر من1,2 مليون وثيقة! (16).. ليفتح “سلاح التسريبات” ثغرة فى جدار التعتيم، من أجل مزيد من الشفافية وحرية تداول المعلومات بشكل غير رسمى!

 

التوسع فى حظر النشر، أحدث أسلحة حجب المعلومات!

في الفترة الأخيرة، شهدت مصر توسعا بشكل غير مسبوق، فى استخدام حظر النشر كأحدث أسلحة حجب المعلومات! حيث شهد عام 2015 عددًا كبيرًا من قرارات حظر النشر، وهو غالباً ما تستخدم لأهداف سياسية(17)!

بعد حظر النشر في قضية التزوير في الانتخابات الرئاسية 2012، جاءت حيثيات حكم القضاء الإداري عن قرارها بإلغاء قرار حظر النشر، إن “الأخبار والمعلومات التي تخص الشأن العام تعتبر من أدوات تشكيل الرأي العام، وأن للمواطنين ولوسائل الإعلام الحق في اللجوء لمصادر المعلومات الصحيحة للحصول عليها وتداولها ونقلها.. “(18)، وبرغم صدور مثل هذا الحكم، بمثل هذه الحيثيات القاطعة، إلا أن النائب العام أصدر بعدها بساعات، قرارًا بحظر النشر في قضية تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن حجم الفساد في الدولة الذى أعلنه المستشار هشام جنينه رئيس الجهاز! ليأتى قرار النائب العام، بمثابة رد عملي سريع على ما أتت به حيثيات حكم “القضاء الإداري”!

وبالرغم من أن دستوري 2012 الملغى، ودستور 2014 المعمول به حاليا ألزما الجهاز المركزي للمحاسبات بإزالة عبارة “سري جدا” عن التقارير الرقابية، ونصا على علانيتها وتمكين المواطنين من الاطلاع على ما تتضمنه.. ومع ذلك إلى الآن لم يرَ قانون الجهاز الذي ينظم مسألة العلانية وإتاحة المعلومات النور! “(19) وهذه العلانية الواردة في الدستور، هي ما تفسر قرار المستشار هشام جنينه رئيس الجهاز بعقد مؤتمر صحفي – إعمالا لمبدأ علانية التقارير – والذي أعلن فيه أن “حجم الفساد في مصر بلغ 600 مليار جنيه!”، ليصبح واضحا بشكل جلى، أنه كما يوجد “أثرياء حروب”، يوجد أيضا “أثرياء ثورات”!

 

زمن التعتيم يغرب .. زمن المعرفة يشرق!

_________________________________________________________________________________________________

(1) الاعلان العالمى لحقوق الانسان

(2) الميثاق العربي لحقوق الإنسان

(3) العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 

(4) الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب

(5) الدستور المصرى  2014

(6) دستور جمهورية مصر العربية 2012

(7) البلد: نائب رئيس الوزراء السابق: قانون حرية تداول المعلومات كان مطروحا على الساحة مند 8 سنوات

(8) حالة المعلومات في مصر: نحو تفعيل الحق الدستوري

(9) «التحرير» تنشر أبرز نصوص قانون حرية تداول المعلومات

(10) مساعد وزير العدل: جار الانتهاء من مشروع قانون حرية تداول المعلومات

(11) فى ندوة بـ«الأهرام» قريبا.. قانون جديد لحرية تداول المعلومات

(12) «القومي لحقوق الإنسان» ينتهي من قانون لتداول المعلومات

(13) الصلاح التشريعى: قانون«تداول المعلومات» حساس ولن نتسرع بإصداره

(14) غضب حقوقي وصحفي من قانون السيسي لتداول المعلومات

(15) مصر تطلب نظاما إلكترونيا لرصد “المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي‭”‬

(16) ويكيليكس

(17) حيثيات إلغاء “حظر النشر”: مقدمة لحق تداول المعلومات.. ولكن

(18) حيثيات إلغاء حظر النشر في «تزوير انتخابات الرئاسة 2012»: كل تقييد لحق الإعلام في الوصول للمعلومات غير قانوني وغير دستوري

(19) حرية تداول المعلومات في مصر لا تزال “تمس بالأمن القومي”

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد