لم تزل البطون تبقر، والأعناق تجز، والنساء تسحل والأطفال يتم التنكيل بهم أمام آبائهم وقنواتنا العربية تبدع في نقل بشاعة ما تقدم عليه يدا الإنسان من عنف وقتل وسفك الدماء دون أن يرف له جفن، أو يخالجه ندم على ما سولت له نفسه من إلحاق الأذى بالآخر.

ليس العنف بالشيء الجديد على الإنسان، لكن تنظيمه وأساليب القتل الممنهجة التي قد تبدأ بالتصفية الفردية حتى تصل للإبادات الجماعية، وتبلد مشاعرنا أمام التكرار الرتيب لأخبار القتل هو ما أضحى جديدًا. فأمام واقع يغلي بالاحتراب الطائفي وجشع لا ينتهي لحكام في الخلود على كرسي السلطة، أصبح ينظر للإنسان كهوام الأرض لا يفرق بقاؤه من زواله في شيء.

اعتدنا على المناظر البشعة التي لا يتوانى الإعلام في نقلها، فبتنا نقابل معاناة إنسان أكبر متمنياته في الحياة كسرة خبز ورشفة ماء وسقف يؤويه بلا مبالاة قميئة، وأصبحت رؤية الجثث والثكالى والمعطوبين من المشاهد المؤثثة لجلساتنا ونحن نتناول الطعام أو نتبادل أطراف الحديث. نبدأ يومنا بارتشاف القهوة وتصفح جريدة تعبق برائحة نتنة للجثث والضحايا، ثم ننصرف لقضاء مآربنا وقد أشبعنا حاجتنا من الرائحة العطنة للجثث ومن الدماء التي أريقت دون أن يحرك فينا ذلك ساكنًا.

يتحمل الإعلام المسؤولية الأكبر في «الوحوش» التي أصبحناها، فلولاه ما كانت تلك الأخبار لتجد طريقها إلينا، موثقة بالصور والفيديوهات، لأشخاص ينتحبون على قريب وآخرين بترت أعضاؤهم وآخرين يلفظون آخر أنفاسهم، وما كانت لتصيبنا حالة من «الخدر» العاطفي، تتساوى فيها الأخبار السيئة بالحسنة جراء الإفراط في نقل مآسي الآخرين، حتى تعود بصرنا على رؤية ذلك فبات يمر علينا مرور الكرام دون أن تقشعر أبداننا أو نسرع لالتقاط جهاز التحكم لتغيير القناة. ليس من العجيب إذن أن أصبحت القنوات الإخبارية تتسابق لنقل مثل هذه الأخبار وكأننا في مزاد علني تزداد فيه قيمة الخبر بارتفاع عدد الضحايا، وازددنا معها تعطشًا لمعرفة ما جاد به حصاد اليوم من الجثث.

إنها مأساة إنسان القرن الحادي والعشرين الذي سلبت التكنولوجيا لبه وأعمت بصيرته فبات يلتقط صور السيلفي مع الجثث أو أمام أنقاض البيوت المقصوفة، ممنيًا نفسه ببعض اللايكات وتعليقات يستهجن أصحابها صنيعه والسواد الأعظم ممن لم يجد في فعلته ما يستحق الثناء ينهال عليه بالسب والشتم والتقريع، وقد تصيب الصورة حقها من سلسلة الفضائح التي تروح عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي فينبرون لتبريرها أو استهجانها أو التندر بها، في انتظار حدوث أمر جلل آخر سيستأثر بانتباههم ويسيل مداد أقلامهم ويصرفهم عما كانوا فيه يخوضون. وفي كل الحالات، هذا يدفعنا للتساؤل عن مدى رجاحة الرأي التي يتمتع بها هؤلاء وإن كانوا أسوياء نفسيًا لتصوير رزايا الآخرين وإذاعتها والتعامل معها ببرودة دم واستهتار.

وليس هذا من الاختلاق في شيء، فهذه مراسلة سورية بقناة سما التابعة للنظام السوري تلتقط صورة سيلفي والابتسامة تعلو محياها وخلفها مباشرة صورة جثث راحوا ضحية قصف جوي للنظام السوري، وآخر التقط صورة وسط أنقاض مسجد الإمام الصادق في الكويت الذي أسقطه هجوم انتحاري خلف 27 قتيلًا ومئات من الجرحى، ولا يزال معين خيالنا لا ينضب في التعاطي مع الفواجع والمآسي بشيء من العبث.

وحاصل القول؛ لا أسف على زمن باتت فيه أتراح البعض عند البعض أفراحًا، وما عاد فيه للتحسر والرثاء مكان، وتبلدت مشاعرنا فأصبح خبر الموت والولادة سواء، فإن كان البعض ينظر بعين الرضا والاستحسان للحرية التي باتت تتمتع بها المنابر الإعلامية أو التي أفسحتها لنا «السوشيال ميديا» فإن ذلك كان على حساب إنسانية الإنسان وضميره الذي لم يعد يفرق بين الصواب والخطأ ومشاعره التي باتت تطبع مع فظاعة ما يقترف في حق الإنسانية من جرائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد