الشعبوية.. هل هي البداية لأفول بريق العولمة؟

يأتي انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي التاسع والأربعين لهذا العام  لمنتجع دافوس السويسري في ظروف استثنائية، ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي، وتصاعد وتيرة الشعبوية بشكل أصبح يهدد فعلًا بنهاية ما صار يصطلح عليه (بالعولمة).

عبر العديد من المتابعين للشأن الاقتصادي العالمي بأن منتدى دافوس لهذا العام باهت بعض الشيء، معزين ذلك إلى الغياب الواضح لبعض قادة الدول ذات الأوزان الاقتصادية المؤثرة، يتصدرهم غياب رئيسي أكبر اقتصادين في العالم: الأمريكي دونالد ترامب، والصيني شي جين بينغ، فضلًا عن غياب رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي، وكذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

مثل غياب هؤلاء القادة، النقطة المخيفة في هذا التجمع الاقتصادي الأضخم من نوعه عالميًا، وهذا في ظل أجواء سياسية مشحونة بالتوتر ، واقتصاد عالمي يقف على عتبة الركود بحسب كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي. فترامب أجبره الإغلاق الحكومي الجزئي الذي يعد الأطول من نوعه على المكوث في الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى اتفاق مع الديمقراطيين والبحث عن صيغة مناسبة  لتمويل الجدار الحدودي المثير للجدل مع المكسيك، ما تسبب في تضرر أكثر من 800 ألف عامل حكومي لم يتلقوا أجورهم حتى الآن، وسط حالة من الامتعاض تسود هذه الفئة والمهددة بتصعيد الاحتجاجات. نأتي إلى الصين التي اضطرت تحت ضغط الحرب التجارية مع الولايات المتحدة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات تجارية غير مسبوقة للاقتصاد الأمريكي، فالاقتصاد الصيني يشهد وتيرة نمو هي الأبطأم منذ 1990 بسبب التعريفات الجمركية المفروضة على صادراته إلى الولايات المتحدة، حيث تعد الأخيرة أكبر مستورد للبضائع الصينية في العالم. ننتقل إلى «البريكست» Brexit، ويعني خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث صارت هذه الخطوة فوضى سياسية عارمة أدخلت البلاد في انقسام حاد، سواء بين أعضاء حزب المحافظين على خلفية دعم اتفاق ماي مع بروكسل من جهة، أو تزايد اتساع الهوة بين ماي، زعيمة حزب المحافظين، وجيرمي كوربن، زعيم حزب العمال من جهة أخرى، هذا الأخير يؤيد بقوة إجراء استفتاء ثان من أجل البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقد كانت الضربة الموجعة لماي، السقوط المدوي لصيغة اتفاق بريكست مع بروكسل شعبيًا وبرلمانيًا. ماكرون هو الآخر لم يستفق بعد من صدمة احتجاجات السترات الصفراء والتي كانت شرارتها زيادات أسعار الوقود، ثم تسارعت وتنامت مطالبها من أجل تحسين الوضعية الاجتماعية للطبقة العاملة، وفرض مزيد من الضرائب على الأثرياء، لقد كادت هذه الحركة الاحتجاجية تطيح بالرئيس ماكرون، والذي سارع إلى تجميد زيادات الوقود والدعوة إلى حوار وطني تشارك فيه جميع القوى السياسية والاجتماعية  للخروج من هذا المأزق السياسي والاقتصادي.

يبدو أن الشعبوية أصبحت فعلًا مهددة للنظام الاقتصادي والسياسي العالميين، بل هي على وشك الاطاحة بالعولمة التي أرست أسسها الولايات المتحدة، فهي بقدر ما تحقق مصالح آنية وقتية، بقدر ما تلحق أضرارًا اقتصادية وسياسية يصعب إصلاحها على المديين المتوسط والبعيد، فلجوء الولايات المتحدة المتزايد للسياسات الحمائية قد يعجل بعزلة دولية للاقتصاد الأمريكي، كما أن الحرب التجارية التي أطلقها ترامب، بخاصة ضد الصين، أثرت حقيقة على نمو الاقتصاد الصيني، لكنها أيضا ساهمت بشكل سلبي في تباطؤ الاقتصاد العالمي، حيث أصبح اقتصاد  العالم على مشارف الركود، ونذر أزمة مالية تلوح في الأفق، قد تكون أسوأ من سابقتها لعام 2008؛ مما قد يتسبب بزعزعة استقرار أنظمة اجتماعية وسياسية لدول ذات اقتصادات هشة، أو حتى كرتونية غير قادرة على تحمل الصدمات. فضلًا عن إمكانية انهيار  المناطق التجارية الحرة؛ ما سيعجل بالتأكيد في انحسار الاستثمارات، وبخاصة المنتجة للثروة. حيث أبدى عدد من رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين لشركات عملاقة عن هواجسهم لعدم وضوح الرؤية السياسيةبالنسبة للاقتصادات الفاعلة، وهو ما عبر عنه المدير التنفيذي لعملاق صناعة  الطيران الأوروبي «إيرباص (Air Bus)» بوضوح، محذرًا في الوقت عينه بريطانيا من أن الشركة قد تضطر إلى اتخاذ قرارات مؤلمة في حال لم تتوصل إلى اتفاق خروج مع بروكسل، تحذيرات حملها وزير البريكست على محمل الجد من خلال مكاشفته للموقف الاقتصادي الحرج الذي تعيشه بريطانيا أمام مجلس العموم. الزمن لا يعود إلى الوراء، والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس مضت وانقضت، فالحاضر هو زمن التكتلات، ويدرك الساسة جيدًا في ويستمنستر بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دونما اتفاق هو انتحار اقتصادي.

ماذا يحدث للعالم إذًا؟ هل ستكون الشعبوية فعلًا بداية النهاية لعولمة طالما تشدق بها الغرب في مقدمتهم الولايات المتحدة؟هل ولجنا حقًا زمن العزلة الاقتصادية الجماعية؟ هل العولمة حقًا بدأت بالأفول والتفكك Deglobalisation؟ أم أنها أزمات ثقة اقتصادية  عابرة؟ لقد حذرت كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي بأن استمرار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فضلًا عن أزمة البريكست، ستزيد في وتيرة التباطؤ الاقتصادي العالمي؛ ما سيضاعف من معدلات الفقر حول العالم، وإلى إذكاء وتأجيج الصراعات المسلحة.

للأسف ساسة العالم لا يتعظون من التاريخ، فأغلب الحروب والصراعات على السلطة سببتها أزمات اقتصادية خانقة، وأنظمة سياسية أثبتت فشلها الذريع في إدارةدفة الحكم إلى الوجهة الصحيحة ابتداء من الثورة الفرنسية، مرورًا بالحرب العالمية الثانية وصولًا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، وتواري النموذج الاشتراكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد