«إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا» (103) النساء.

كل ما قيل عن أهمية الصلاة في وقتها إنما هو حق. لكن من جانب آخر هناك تفسير هو الأقرب للقلب والمنطق، على الأقل الأقرب لعقل وقلب زيد. نظرة مختلفة عن أوقات الصلاة، الكتاب الموقوت ساعة كونية نتوحد فيها مع الكون والحقيقة.

يقول الحكيم عن الأوقات الخمسة للصلاة:

وقت الفجر: قبل الضوء، بين الظلمة والظل، تمسك ويقين بأن الضوء لابد طالع، وأن الظلمة ذلك الظل التام الذي تتشابه فيه الأشياء وتضيع فيه التفاصيل، لابد زائلة. الفجر ترقب للضوء الذي لن يشرق فحسب، بل سينبع من الداخل، ما دام الكون وحدة واحدة متصلة مع بعضها بعضًا.

وقت الظهر: فيزيائيًا هو منطقة الضوء التام، إنه وقت الزوال حيث لا ظل هناك، حيث الشمس في أعلى نقطة لها في السماء، يذكرك ذلك بهدفك في الحياة، أن تكون في أعلى نقطة، وأن تتوحد أنت وظلك فيها. ولن يكون مصادفة أن يحدث ذلك في الوقت الذي تكون فيه أنت (بيولوجيًا) في ذروة نشاطك.

وقت العصر: هو الطرف الأخر المقابل للفجر، فبينما كان الفجر انتقالًا من الظل التام إلى شبه الظل، فإن العصر هو الانتقال من الضوء التام إلى شبه الضوء، وهذا يعني أن الضوء صار يخالطه شيء من شبه الضوء، وأنه لم يعد تامًا، وأن الوهج قلّ، وأن القمة لم تعد قمة، وإنما هبطت عن الذروة خطوة تلو خطوة.

ربما هذا يحدث، لكننا ربما كنا نحتاجه، ربما كنا نحتاج أن يخف الضوء قليلًا بعد وهج الشمس القائمة، ربما كنا نحتاج إلى الانسحاب إلى ضوء أقل للاستراحة، للتقييم.

ربما كان ذلك هبوطًا، ربما كان انحسارًا للضوء، ربما هو الإنسان الذي لا يستطيع المحافظة على القمة، الإنسان الذي هو في خسر، وربما كان ذلك مجرد مرحلة انتقالية يستطيع الذين آمنوا أن يمروا من خلالها إلى أفق أفضل.

أيًا كان، إنه العصر، والضوء لم يعد ضوءًا تامًا، بل خالطه شيء. وها أنت ذا تقيم صلاتك على هذه النقطة الانتقالية بالضبط، لتحدث خرقًا في جدار الكون وتثبت أنك جزءٌ منه، وأن وعيك بما يدور سيجعلك قادرًا على المضي قدمًا.

وقت المغرب: ثم يأتي الأفول، يأتي الانتقال مما هو شبيه بالضوء إلى ما هو شبيه بالظل. ذهب الضوء إذًا، وما نراه لم يعد سوى بقايا ضوء منحسر وبداية الظل، إنه الغروب.

إنه القانون المحتم الأكيد الذي لابد أن يسود، قانون الأفول، مهما علا شيء مهما زها، مهما وصل إلى أعلى القمم فهو لابد زائل، سواء كان فردًا أم فكرة أم حضارة، لابد أن يهبط لابد أن يأتي عليه أوان الأفول.

عند تلك النقطة والضوء قد أعلن هزيمته ورفع رايته البيضاء، ستجد نفسك تترك علامة على هذه النقطة بالذات، وعند هذه النقطة ستسجد لمن لا يأفل أبدًا لمن وضع قانون الأفول.

وقت العشاء: جاء الليل، إنه الظل التام، لا شبه ولا ضوء، كما كانت الحقيقة ساطعة في الضوء التام، فالظلمة أيضًا صارخة في الظل التام الذي يلف عالمك ومحيطك.

وعلى الرغم من هذه الظلمة، وعلى الرغم من هذا الظل التام، فإن الرؤية قد تكون أفضل وأوضح، لقد انسحبت الآن من المشهد، نحو الظل وهناك صار بإمكانك أن تراقب كل ما جرى، كل ما دار هناك في ذلك الظل التام، ستستطيع أن تحتفظ بمسافة ما عن الأشياء، ومن خلال هذه المسافة ستعيد النظر، وهناك في الظل التام ستعرف أن كل ما جرى كان محض جولة، وأن فجرًا آخر سينبعث من عمق العتمة ويبدأ جولة جديدة.

من هذه الحقيقة تحت جناح الظلام المخيم وأنت تنتظر فجرًا أخر يخرجك من العتمة وتعبر به نحو الضوء _ستصلي _ وتكون صلاتك هنا _ ضوءًا في الظلمة.

يقول الحكيم: نحن ننتظم عبر الصلاة الموقوتة في أوقات مرتبطة بحركة الكون عبر تعاقب الضوء والظلمة بملء إرادتنا،أهم ما نخرج به من ذلك الكتاب الموقوت هو أن الضوء دومًا هناك، إنما موقعنا هو الذي يتغير، الظل والظلمة هما نتاج لابتعادنا عن مصدر الضوء.

 الضوء الحقيقي لا يأفل، إنما نحن الذين نأفل عنه.

الآن أفهم لمَ الصلاة على وقتها أفضل الأعمال.

الحكيم هو الأستاذ طبيب الأسنان والكاتب العراقي: أحمد خيري العمري..

«سلسلة كيمياء الصلاة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد