«أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جَرس
جلجلت به صحيوا الخدم والحرس
أنا المهرج.. قمتو ليه خفتو ليه؟
لا فْ إيدي سيف ولا تحت مني فرس»

الجراح الذي خدع زوجته ووالديه علي حد تعبيره، وقرر أن يتحول إلى ساخر يلقي النكات؛ ليصبح من بين أكثر مائة شخصية مؤثرة في العالم، الرجل الذي خرج من وطنه مهاجرًا رغمًا عنه!

باسم يوسف الجراح المصري الذي تحول لإعلامي ساخر بدأ عقب اندلاع ثورة الـ25 من يناير من خلال (يوتيوب) حتي تقديمه برنامج أسبوعيًا (البرنامج) ينتظره الملايين من المصريين ليعبر عن ما بداخلهم بالسخرية، اعتبره الكثيرون الصوت الذي يتحدث بالنيابة عنهم في وقت المجلس العسكري وبعد تسليم السلطة للإخوان، ومن ثم حاول تكرار ذلك في عهد السيسي، ولكن انتهت الحكاية.

قررت المخرجة الأمريكية سارة تاكسلير إنتاج فيلم وثائقي (دغدغة العمالقة) عن النسخة المصرية من الإعلامي الأمريكي الساخر جون ستيوارت يروي قصة حياته ورحلته من جراح قلب لإعلامي ساخر ناجح، وصل عدد مشاهديه إلى 30 مليون مشاهد في حلقته الأسبوعية.

يبدأ الفيلم بتحذير كما كان يحدث في البرنامج؟

(رجاء أخذ الاحتياطات اللازمة عند تجربة أي أسلوب من الأساليب المتبعة في هذا الفيلم، التحدث عن أي نظام قمعي قد يسبب بعض الأعراض الجانبية، مثل: (الصداع، تقلب المزاج، الانتفاخ، عثر الهضم، فقدان الشهية، فقدان النوم، فقدان الوطن، فقدان الأصدقاء، فقدان الحقوق الدستورية المفقودة، الموت، وأخيرًا جفاف المهبل) هذا الفيلم قد يكون غير مناسب لكل المشاهدين، إذا كنت ديكتاتورًا رجاء مغادرة الغرفة فورًا).

يسرد الفيلم الأحداث من البداية، بداية المظاهرات ضد نظام مبارك وذهاب باسم للتحرير كطبيب ليعالج المصابين ويحكي عن التناقض الواضح بين ما كان يحدث في الشوارع، وما كان ينقله الإعلام المصري واتهامه للمتظاهرين بالعملاء والخونة والمأجورين، وبعد تنحي مبارك قرر باسم يوسف بمساعدة زميله طارق القزاز أن يقدما برنامج على اليوتيوب ليصبحوا صوت الثورة، وليس صوت السلطة عن طريق مقاطع الفيديو من غرفة الغسيل في منزله.

وحصل على 35 ألف مشاهدة في اليوم الأول و5 ملايين مشاهدة بعد شهرين كان الجميع يتحدث عن المقاطع التي يقدمها الجراح الذي يدعي باسم يوسف، يحكي أنه في هذة الفترة كان يشعر بالقلق والحماسة في الوقت ذاته بسبب مشاهدة الناس له، لكنه كان يحب ما يفعله لأنه ينتقم من أكاذيب وتلاعب الإعلام.

وبعدها بدأت المحطات التليفزيونية تقدم عروضًا لتقديم برنامج، وكان عليه أن يتخذ القرار المناسب، أما أن يواصل في مسيرته المهنية المستقرة كجراح أو يكسر قلب عائلته ويصبح ساخرًا، والخيار على حد تعبيره كان في غاية السهولة.

بدأ الموسم الأول من برنامج (البرنامج) علي قناة (أون تي في)، وكان محور الفيلم في الربع الأول الحلقة التي صورها باسم في شارع محمد محمود، وخصوصًا أن باسم أُصيب في عينيه من الغازات المسيلة التي كانت تستخدمها الشرطة؛ مما أدى إلى إنهاء الحلقة.

وبعد النجاح الساحق للموسم الأول استضاف جون ستيوارت باسم في برنامجه، ويوضح الفيلم أنه كان في غاية السعادة لتحقيق أحد أحلامه – مقابلة جون – وأثناء المقابلة صرح أنه يحاول تقديم (البرنامج) علي مسرح كبير بجمهور حقيقي للمرة الأولى في مصر، ولم ينتظر طويلًا ليتحقق الحلم، ويكون البرنامج الأنجح في تاريخ الإعلام المصري.

حاولت المخرجة سارة تاكسلير أن تركز أكثر على كواليس الانتقال من اليوتيوب إلى برنامج أسبوعي، وكيف كانت الأجواء وفريق العمل الذي كان مجموعة من الهواة، بما أنه لم يُقدم برنامج مثل هذا من قبل كانوا عبارة عن محامين سابقين، معماريين وشباب حديثي التخرج، كانت الأجواء رائعة بالرغم من الضغط الموجود لإخراج برنامج كهذا أسبوعيًا، لكن الكواليس توضح أن الجميع كانوا سعداء ويحبون ما يفعلون.

وبدأ الموسم الثاني علي قناة (سي بي سي) على مسرح راديو بجمهور حي، يعرض الفيلم مقاطع من السخرية على الرئيس محمد مرسي، والتي كان يصاحبها مقاطع توضح كمية الجهل التي كانت تبثه قنوات التيار الإسلامي وردود أفعال المشاهدين في المسرح والمقاهي، وكيف كان ينتظر الجميع وقت إذاعة (البرنامج) في واحدة من المشاهد التي لا تتكرر سوى لمشاهدة مباريات كرة القدم.

ثم يركز الفيلم علي قرار النائب العام بالقبض على باسم يوسف للسخرية من محمد مرسي حين حصل على الدكتوراة الفخرية من باكستان، وكيف تضامن معه جون ستيوارت بالتوضيح أن هذا ما كان يفعله – جون في برنامجه – في الثماني سنوات السابقة، ويوضح الفيلم أن باسم رفض أن يُعرض أسرته إلى أية إهانة، لذلك قرر تسليم نفسه للنائب العام، وكيف تضامن الشعب معه بإقامه مظاهرات توضح كمية الغضب لأن ما يفعله باسم يعبر عن ما يريده الشعب.

ثم نتنقل بالأحداث لما بعد الإطاحة بمحمد مرسي، وكيف كانت الأجواء في مصر في هذا الوقت، والأجواء بين باسم وفريق العمل، حول محتوى السخرية التي يجب أن تُقدم في مثل هذا الوقت للتعامل مع الأحداث الدامية، وأن العين ستكون على ما سوف يقدمونه، لكن باسم كان يخبر فريقه أن كل شيء سيكون علي ما يرام، ولا تدعو أحدًا ان يؤثر على ما نفعله، والشيء الأهم في النجاح هو الاستمرار.

وعاد البرنامج؟ وسخر باسم من هوس الشعب المصري برئيسها القادم ووزير الدفاع في ذلك الوقت عبد الفتاح السيسي ليتم وقف البرنامج للمرة الأولى بعد تقديم الكثير من البلاغات للنائب العام والنيابة العسكرية، وهذة المرة انقلب عليه الشعب، وتصاعدت الأحداث لمحاصرة مسرح سينما راديو من متظاهرين مدفوعين ليتهموا باسم بالإساءة لرموز الدولة ومطالبتهم بإعدامه!

ويظهر في هذا الجزء من الفيلم غضب فريق العمل من التعليقات المسيئة بعد الإشادات التي كانت تقول إنهم ساهموا بالجزء الأكبر في رحيل جماعة الإخوان من حكم مصر، وكيف تغير الحال، وأصبحوا الآن يكرهون الجيش لأنهم يسخرون من السيسي وأصبحوا عملاء لأمريكا.

وخوفًا عليهم طُلب منهم أن يبقوا في منازلهم، ولكنهم رفضوا ذلك، والجميع قرر أن يكملوا ما بدأوه، وفي ظل كل هذة المشاحنات قرروا الاحتفال بعيد ميلاد أحدهم كمحاولة للخروج من تلك الأجواء.

ثم يعود البرنامج مرة أخري في موسمه الثالث علي قناة (إم بي سي مصر) ويركز الفيلم في هذة المرحلة على الحالة النفسية لفريق العمل، وكيف كان الجميع يشعر بالتوتر والخوف، وخصوصًا أن المظاهرات أمام المسرح لم تتوقف، وكما أنه تم أعتقال والد طارق القزاز المنتج الفني، بدون تهمه واضحة للضغط عليهم، وردود الفعل بعد أن تم التشويش على البرنامج أثناء عرضه، وفي هذا الموسم قرر والد وشقيق باسم حضور البرنامج بانتظام قلقًا عليه.

وفي واحدة من أصعب المشاهد في الفيلم يحكي باسم أنه لا ينام ولا يأكل بسبب الضغط الناتج من تقديم برنامج كهذا، وبدأ يفهم لماذا يقدم الكثيرون على الانتحار تحت ضغط الشهرة.

ثم كأن كل ما كان، ما كان…

توقف البرنامج، حكمت المحكمة لصالح سي بي سي بتعويض مائة مليون جنيه، وأخيرًا رحل باسم يوسف إلى أمريكا. وفي نهاية الفيلم يظهر اثنان من فريق العمل يتناقشون أنه قبل الثورة كان الجميع يخاف التحدث عن السياسة بسبب أمن الدولة الذي دمر حياة الكثير، وكيف تغير كل ذلك بعد الثورة، وظهور باسم لفترة من الزمن.

باسم يوسف هو الأخير الذي كان يحارب ويواجه باسم الثورة، كان صوت المعارضة المفقودة في الوقت الحالي، باسم صرح أكثر من مرة، وفي أكثر من لقاء، أنه يقدم برنامج كوميديًا ساخرًا، ولكنه أثبت أننا شعب متناقض بالفطرة، فالذين كانت تتعالي أصواتهم من الضحك، حين كان يسخر من الإخوان هم من طالبوا بإعدامه لاحقًا بعد 30 يونيو.

البرنامج، هو أشبه بالعسل المر.. ستبقى دومًا تلك اللحظة التاريخية هذا البرنامج بكل الصعوبات التي مر بها، كان مجرد ومضة قصيرة من الزمن يمكن للناس أن يعودوا ويتذكروها ويقولون: (إنه ممكن!).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد