انطلقت أمس فعاليات قمة مجموعة العشرين في دورتها الـ11 بمدينة هانجتشو الصينية بمشاركة قادة وممثلي دول عشرين بلدًا حول العالم يشكلون أكثر من ثلثي حجم التجارة العالمية وأكثر من 90% من موارد العالم، وسط تطلعات من قبل الصين التي تأمل بنجاح المؤتمر لإثبات فاعليتها باعتبارها دولة قوية مضطلعة بدورها على الساحة الدولية، في حين لا يتوقع الخبراء التوصل لأي نتائج حقيقية، ورغم ذلك سبقت القمة العديد من الفعاليات والنشاطات الدبلوماسية كان محورها التغير المناخي والحرب السورية والتجارة الدولية  وسبل دعم النمو الاقتصادي، كما تناولت لقاءات ثنائية بين البلدان المشاركة في القمة لبحث آخر المستجدات الإقليمية والدولية.

بدأت قمة العشرين بكلمة افتتاحية للرئيس الصيني شي جين بينج مُحذرًا فيها من مخاطر هشاشة النمو الاقتصادي العالمي، ومشددًا على ضرورة العمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادي، وإصلاح مؤسسات التمويل، ونظم الضرائب الدولية، داعيًا البلدان المشاركة إلى ضرورة تنفيذ خطة لدعم التنمية المستدامة، وإزالة القيود الحمائية التي تعرقل التجارة العالمية، وأن تكون القمة نقطة انطلاق لتعزيز النمو، عبر تحويل مجموعة العشرين من آلية استجابة لمواجهة الأزمات إلى آلية للحوكمة لدعم النمو الاقتصادي العالمي.

أبرز قضايا القمة

هناك عدة ملفات ساخنة وضعت على طاولة القمة ومن بينها:

ــ الأزمة السورية، حيث تعد القمة فرصة للقاء الرئيسين الأمريكي والروسي للاتفاق بشأن سوريا قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فبالرغم من الخلافات الأمريكية الروسية إلا أن الولايات المتحدة تسعى للتعاون مع موسكو لتحقيق انتقال سياسي في سوريا، وفي حال اتفق الطرفان ستتم دعوة المبعوث الأممي ستيفن دي ميستورا لجولة جديدة من المفاوضات.

ــ الصين وبريطانيا، شملت المباحثات أيضًا على طاولة قمة العشرين التوتر الدبلوماسي الحاصل بين الصين وبريطانيا على خلفية قرار رئيس الوزراء البريطانية الجديدة تريزا ماي، تأجيل التوقيع على صفقة ضخمة لإنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء في بريطانيا باستثمار صيني يبلغ نحو 8 مليارات دولار.

ــ كما يبحث الزعماء السياسيون التوتر الحاصل بين الصين وكوريا الجنوبية بسبب نشر الدرع الصاروخي الأمريكي في كوريا، والذي بدأ منذ أن أعلنت كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في مارس الماضي، تشكيل مجموعة عمل مشتركة لبحث نشر منظومة «ثاد» في شبه الجزيرة الكورية لحمايتها من تهديدات كوريا الشمالية، وهو ما أثار غضب الصين التي تعتبر أن نشر هذه الصواريخ يستهدفها أكثر من استهداف كوريا الشمالية.

ــ  ومن أبرز الملفات الساخنة على هامش القمة، التوتر الصيني الياباني، حيث شهدت العلاقات الصينية اليابانية توترًا في الأسابيع الماضية بشأن المياه الإقليمية خاصة فيما يتعلق بالنزاعات على جزر بحر الصين الشرقي، فضلًا عن خطة اليابان لإنشاء منظومة صاروخية ضد السفن التي تنتهك مياهها.

ــ  العلاقات بين واشنطن وأنقرة، تعد القمة فرصة لأول لقاء يجمع بين الرئيسين الأمريكي والتركي عقب الانتقادات التي وجهتها تركيا لواشنطن بشأن محاولة الانقلاب الأخيرة التي شهدتها أنقرة في منتصف يوليو الماضي، ويكتسب اللقاء أهميته أيضًا في كونها تأتي عقب عملية «درع الفرات» التركية بشمال سوريا.

ــ اتفاقية المناخ، أسفرت المناقشات على هامش اجتماعات قمة العشرين، مصادقة كل من الصين والولايات المتحدة على اتفاقية باريس للمناخ، في خطوة باتجاه تطبيق الاتفاقية التي تهدف إلى الحد من التغير المناخي، فيما حصل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على وثائق المصادقة على الاتفاقية من الرئيسين الصيني والأمريكي معتبرًا إياها «خطوة تاريخية» داعيًا زعماء مجموعة العشرين أن يفعلوا مثلهما، ليبلغ بذلك عدد الدول الموقعة على الاتفاقية 26 دولة.

ــ كما اتفقت كل من روسيا والسعودية على تدابير مشتركة لتحقيق استقرار أسعار النفط تتمثل إحداها في تجميد الإنتاج.

ــ ومن أهم المحاور التي تطرقت إليها اجتماعات القمة، ملف اللاجئين والذي أشار من خلاله رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك إلى أن قدرة أوروبا لاستضافة تدفق اللاجئين الهاربين من سوريا ودول أخرى اقتربت من الحد الأقصى، مُطالبًا دول العالم أجمع والصين بلعب دور أكبر تجاه قضية اللاجئين عبر تقديم مساعدات ومساهمات بأشكال مختلفة.

ــ كما تناولت المباحثات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، سبل تنفيذ منح قرض منصرم لمصر بقيمة 12 مليار دولار، لتفادي أزمة اقتصادية تواجهها بلاده.

ــ وعلى المستوى الاقتصادي ناقشت قمة الأعمال على مدى اليومين الماضيين ستة موضوعات أساسية هي: تمويل النمو والتجارة والاستثمار، والبنية الأساسية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتوظيف، ومكافحة الفساد.

لقاءات استثنائية

على هامش اجتماعات قمة العشرين كان هناك لقاءات ثنائية بين زعماء الدول المشاركة كان أبرزها:

ــ لقاء ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تطرق اللقاء إلى تعزيز التعاون بين البلدين، وخصوصًا في مجال النفط، فيما أكد الرئيس الروسي أن أزمات المنطقة لا يمكن تسويتها بدون السعودية مُشددًا على التحاور والتواصل الدائم مع المملكة.

ــ لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمديرة صندوق النقد الدولي، حيث تباحث الجانبان بشأن سبل تنفيذ منح قرض منصرم لمصر بقيمة 12 مليار دولار، لتفادي أزمة اقتصادية تواجهها مصر.

ــ لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، على هامش قمة العشرين في هانغتشو الصينية، حيث قدم أردوغان الشكر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف رحلات الشارتر بين روسيا وتركيا.

ــ لقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الرئيس الصيني شي جين بينج، حيث اتفق الجانبان على تفادي التنافس في خفض قيمة العملة والامتناع عن تقييد فرص التجارة أمام الشركات الأجنبية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بالإضافة لمصادقة البلدين على اتفاقية التغير المناخي.

ــ وبعيدًا عن وسائل الإعلام، التقى أوباما بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتباحثا بشأن سوريا والموقف الأمريكي من تسليم المعارض التركي عبد الله غولن، حيث اتفق الطرفان على تخفيف المعاناة الإنسانية في سوريا، فيما تعهد أردوغان بتسليم كافة المعلومات والأدلة حول تورط غولن في الانقلاب الأخير الذي شهدته تركيا.

ــ كما اتفقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال لقائها بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تخفيف التوتر مع تركيا بعد انتقاد شخصيات بارزة أوروبية للرئيس أردوغان بدعوى قمعه لمعارضيه في أعقاب فشل الانقلاب.

ــ وفي اليوم الثاني من القمة، عقد الرئيس أوباما اجتماعًا مُغلقًا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين تباحثا خلاله بشأن أزمتي سوريا وأوكرانيا، فيما وصف المحيطون المحادثات بأنها «جيدة» مؤكدين أن العمل الثنائي بينهما سيستمر.

توتر أمريكي صيني جديد

رغم المحادثات البناءة التي جرت بين الرئيس الأمريكي والصيني، إلا أن المشاحنات التي حدثت بين مسؤولين أمريكيين وصينيين في مطار هانجشتو، أبرزت توترًا جديدًا بين البلدين، والتي نتجت بشأن التغطية الصحفية لوصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمدينة هانجشتو للمشاركة في قمة العشرين.

بدأ الخلاف عندما رصدت عدسات الكاميرات عدم الحفاوة في استقبال الرئيس الأمريكي بعدم وضع السجادة الحمراء على سلالم الطائرة التي كان ينبغي أن تستقبلها كما حال باقي الزعماء المشاركين، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي للنزول من الباب الخلفي للطائرة.

وخلال المشاحنات بين المسؤولين من كلا البلدين تم احتجاز عدد من المسؤولين الأمريكيين من بينهم مستشارة الأمن القومي الأمريكي سوزان رايس، فضلًا عن صياح أحد المسؤولين الصينيين في وجه المسؤولين الأمريكيين أثناء محاولتهم مساعدة الصحفيين الأمريكيين في ترتيبات تصوير وصول أوباما قائلًا: «هذه بلادنا، وهذا مطارنا».

وجاء رد أوباما تعقيبًا على هذا الموقف قائلًا: «من المهم أن تكون الصحافة قادرة على الوصول إلينا وأن تكون لديها إمكانية طرح الأسئلة. نحن لا نتخلى عن مثلنا وقيمنا في مثل هذه الرحلات»، «وددت أن لا نعطي الموقف أهمية أكثر مما يستحقه».

ختام قمة الأعمال

اختتمت أعمال قمة العشرين التي شارك بها زعماء دول العالم وأكثر من 110 من رجال الأعمال البارزين، حيث تم الاتفاق بينهم على ضرورة تقوية التعاون والدفع بمسيرة الإصلاحات وتعزيز النمو الاقتصادي.

وصدر عن القمة تقرير توصيات بشأن السياسات لمجموعة العشرين لعام 2016، حيث من المقرر تقديمه لزعماء قمة العشرين خلال قمتهم المنعقدة حاليًا، والذي يتضمن بعض الاقتراحات التي تقدم للمرة الأولى مثل مبادرة المنصة الإلكترونية للتجارة العالمية، ومبادرة الابتكار الذكي للتشجيع على ريادة الأعمال والابتكار، بالإضافة لتطوير التمويل الأخضر وسوق الاستثمار.

كما اتفق المشاركون على ضرورة البدء بمسار جديد للنمو الاقتصادي العالمي، وزيادة المشروعات عالية الجودة والقابلة للتمويل، وتعزيز الابتكار في الأدوات المالية من أجل دعم استثمارات البنية التحتية، فضلًا عن تيسير استثمارات القطاع الخاص في مشروعات البنية التحتية، وتعزيز تنمية التمويل الأخضر وسوق الاستثمار وتطوير التمويل الشامل.

ومن المقرر أن يسلم «جيانج تسنج دي» رئيس القمة حق استضافة القمة المقبلة لعام 2017 إلى «ماركوس كوبر» المدير العام لاتحاد الصناعات الألمانية.

انعقدت القمة تحت عنوان «نحو اقتصاد عالمي مبتكر ونشط ومترابط وشامل» واضعة على رأس أولوياتها للمرة الأولى قضية التنمية في مركز عمل السياسة الكلية العالمية، وخطة عمل لتنفيذ أجندة 2030 للتنمية المستدامة والتعاون لدعم التصنيع في الدول الأفريقية والدول الأقل نموًا، وربما ستسفر الأيام القادمة عن نتائج القمة ومدى فعاليتها في تحقيق أهدافها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد