منذ بداية الثورة السورية وإطلاق رايتها الأولى من محافظة درعا وسهلها الأشم، سعى الأهالي جاهدين وكل من قام بالحراك الثوري لتقويم وتصويب الأخطاء التي كانت تصدر من بعض المتظاهرين، أو من حمل السلاح فيما بعد إيمانًا منهم بأحقية مطالبهم، وشرعية حقوقهم وعدم تشويه الصورة الثورية الجميلة، التي انطلقت من المحافظة لتشمل سوريا عامة بكافة محافظاتها منذ بداياتها الأولى وحتى اليوم.

تطورت الأحداث وأخذ المسار الثوري شكله المسلح، بعد تجاوزات النظام وإجرام آلته العسكرية بحق المواطنين، وتفرع عن هذا المسار مجموعات مسلحة امتهنت قطع الطرقات والنهب، وتنفيذ اغتيالات بحق من يقف في طريقها تحت مسمى الثورة والتستر بالدين، والطامة الكبرى أن بعض هذه المجموعات تابعة لفصائل في الجيش الحر بعد البحث والتحري عنها من قبل الأهالي، في المناطق التي جرت فيها حالات الاغتيالات والنهب.

بالإضافة للحملة العسكرية الهمجية التي شنها النظام السوري وحلفاؤه منذ بداية الثورة وحتى يومنا هذا، عانى الجنوب السوري من مآسٍ كثيرة، ناهيك عن حالات النزوح واللجوء والتشرد، هنا بقي الأهالي بين فكي كماشة ما بين الانفلات الأمني وسيطرة مجموعات مسلحة باسم الثورة وهمجية وإرهاب النظام اللامتناهية.

شكلت الثورة والصلاحيات الممنوحة لكل من حمل السلاح بيئة خصبة لمثل هذه المجموعات، لتنفيذ أجندتها ومصالحها وكسب مصدر رزق في تنفيذ الاغتيالات، ونهب بيوت المواطنين الذين فروا منها نتيجة القصف وارتفاع وتيرة المعارك في المناطق الساخنة من ريف درعا بشكل عام.

التستر بالدين وتربية اللحية أمام الآخرين لإعطاء الشخص صلاحية شرعية لكل أفعاله، التي يقترفها بحق المواطنين من سرقة ونهب وقتل، شكلت فرصة ثمينة لمثل هذه المجموعات، لفرض قوتهم وتشويه ما تبقى من جمال الثورة ورونقها.

هناك مفارقات قوية حسب شهادات الأهالي قبل تحرير أي قرية وبعد تحريرها، أي المدة الفاصلة بين نزوح الأهالي وفترة سيطرة جيش النظام على القرية، حيث تنشط عمليات النهب والسرقة من الطرفين في هذه الفترة، أي فترة نزوح الأهالي وخروجهم من بيوتهم من مجموعات محسوبة على الجيش الحر والميليشيات التابعة لجيش النظام، والضحية هم الأهالي وممتلكاتهم وهذه معاناة تضاف لمعاناتهم من ويلات الحرب الدائرة.

في فيلم وثائقي بثته قناة أورينت نيوز منذ شهرين بعنوان (تحت تهديد السلاح)، استعرض الفيلم بعض التجاوزات التي فرضتها بعض المجموعات التابعة للجيش الحر على الأهالي في مدينة بصرى الشام، الخاضعة لسيطرة المعارضة وعرض الفيلم شهادات عديدة، من بينها لرجل في السبعين من عمره، قال إنه تعرض للتهديد بقوة السلاح من قبل قائد مجموعة مسلحة تابعة للجيش الحر، وأعتذر أنا عن ذكر اسمه قال الرجل إن قائد المجموعة جاء إلى البيت وبرفقته 30 مسلحًا، وقام بشتمه وشتم زوجته على الملأ ودون تدخل من أي أحد، وفي رواية أخرى لسيدة مسيحية قامت بمغادرة بيتها والذهاب إلى دمشق في رحلة قصيرة لتتفاجأ عند عودتها لبيتها بوجود مجموعة مسلحة سيطرت على البيت، ونهبت محتوياته وماطلت المجموعة بالخروج من البيت بعد الضغط من الأهالي لتسلميه للعائلة.

تتوالى الشهادات من الأهالي عن التجاوزات التي اقترفتها المجموعات المتسترة بالدين وغطاء الثورة، لتشمل العديد من قرى وبلدات ريف درعا، الكثيرون رفضوا سرد قصصهم والظلم الذي تعرضوا له خوفًا من التهديد والوعيد، الذي تعرضوا له من تلك العصابات، حيث إن البعض من شهادات الأهالي ساوى بين ظلم النظام وظلم هذه الفئة الضالة.

مجموعات مسلحة تابعة للجيش الحر تسترت بالدين وبالثورة ونفذت اغتيالات وعمليات نهب وسرقة في ريف درعا، وكله تحت تهديد السلاح لم تجد من يردعها عن أفعالها، بسبب غياب الجسم الثوري الموحد الذي يضمن محاسبة هذه العصابات، ناهيك عن حالة الفلتان الأمني الذي شهدته المحافظة بعد عام 2013 وحتى عام 2018، وتلاشٍ شبه كامل لبدايات الثورة الجميلة المفعمة بالمطالب المحقة، وظهور وتعويم لمثل هذه المجموعات التي شوهت ودمرت مسار الثورة الحقيقي تحت مسميات وأجندات مختلفة.

يتساءل عدد كبير من المواطنين المعارضين لنظام الأسد، أليس هؤلاء هم أنفسهم من خرجوا معنا في المظاهرات السلمية للمطالبة بالحرية والخلاص من الظالمين والقبضة الأمنية، نراهم اليوم يفعلون ما يفعله النظام ولكن الفرق اختلاف المسميات مع تشابه المضامين.

شكاوى هنا وهناك ودعوات محلية مختلفة في ريف درعا، لمحاسبة هذه المجموعات ولكن كلها ذهبت أدراج الرياح، لغياب الجهة القادرة والمخولة لمحاسبة هؤلاء وكف ظلمهم عن الأهالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فيلم "تحت تهديد السلاح" - أورينت نت
عرض التعليقات
تحميل المزيد