توقفت كثيرًا قبل كتابة هذه السطور؛ فكتابة مقالة صغيرة محملة بهذا الكم الهائل من المعاناة والألم أمر غير محبب ومؤلم للنفس في ذات الوقت!

لقد ترددت كثيرًا قبل أن أشرع في الكتابة، وفي كل مرة كنت أقف مشدوهًا ومحتارًا مصابًا بالإحباط في ظل ما أعانيه وتعانيه بلدي وتمر به من صعوبات وظروف بعد حدوث ثورة 30 يونيه وعزل الرئيس السابق محمد مرسي، لكن الهدف الوحيد الذي وضعته أمامي منذ الوهلة الأولى هو الذي شجعني على كتابة هذه السطور. هو الذي دفعني بل هو دافعي الوحيد لخوض غمار هذه التجربة والانطلاق نحو سرد ما يجول في خاطري وما اختمر بداخلي من مشاعر وأحاسيس نمت وترعرعت في ظل ما تمر به بلدي موطني سيناء الحبيبة، وما عانته على مر تاريخ مصر الحديثة من تهميش وتشهير ووصف لأهلها بالإرهاب والخسة والخيانة وسوء الأخلاق.

فقد عانى أهل سيناء الكثير والكثير من الويلات والمصاعب والمشاق، عانوا التهميش الفكري والانفصال الوطني والغربة داخل وطنهم، طمست أحلامهم وذبحت أفكارهم على صخرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، بل وحكم على شبابهم بالخيانة والألم النفسي منذ نعومه أظفارهم، لقد حكم عليهم وهم في بطون أمهاتهم؛ فأي ظلم هذا الذي يصل لمرحلة القهر، وأي قهر هذا الذي يصل إلى مرحلة أن يُحكم عليك بالخيانة وأنت في بطن أمك، بل يحكم عليك بالإعدام وأنت في ما زلت في مهدك ولم تخرج للنور بعد؟!

عانينا كثيرًا وما زلنا نعاني في ظل الدولة المصرية وما تمر به سيناء بحجة الحرب على الإرهاب ومحاربة المتطرفين، ممن حُسبوا على سيناء وهم ليسوا منها ولا من أبنائها ولا من أهلها، بل من خارجها وغير معترف بهم في أوطانهم، لقد أُخذ أهل سيناء بذنوب غيرهم ونالوا أحكامًا ليست عليهم بل لغيرهم، لكنها المصائب التي حلَّت وما زالت تحل قريبًا من هذه البقعة المباركة!

فقد كتب علينا المعاناة لا لشيء إلا لأننا من أبناء هذه المنطقة، ضاع شبابنا وهدمت بيوتنا وذبح أطفالنا ونُكل بشيوخنا وأهلونا دون ذنب اقترفناه أو عمل أتيناه، فهل نؤخذ بجرائر غيرنا؟! هل ندفع ثمن حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل،؟! أعصابنا متوترة، قلوبنا تكاد تفز متململة حزنًا وقهرًا وكمدًا مع دوي الطيارات وأصوات الانفجارات وحركة الدبابات؛ فنحن بين قتيلٍ بالأسلحة والصواريخ وبين قتيل بالقهر والذل والمهانة وحرق الأعصاب.

وبعد هذه سطوري أبثها إليكم أيها القراء الكرام، وتحمل ما تحمل من زفرات مكلومة مكتومة تعبر عما أعانيه ويعانيه لفيف وكثير من شباب سيناء الضائع بين أحلامه وآماله، في مستقبل أقل ما نُؤمِّل فيه سوى العيشة الآمنة المستقرة دون تهجير أو تخويف، بين أفكار ضائعة وهواجس موجعة، وكلنا أمل أن يتغير الوضع وتتبدل الأرض غير الأرض، لكن شتان وقد كُتب على هذه الأرض التي باركها الله من فوق سبع سماواتٍ أن تُرْوى بالدم على مدار تاريخها بل منذ اللحظة الأولى من ميلادها، تمامًا كما كُتب على أهلها العزل المعاناة والقتل والحرق والتنكيل كل يومٍ، ويوم بعد يوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سيناء
عرض التعليقات
تحميل المزيد