يا لها من مصادفة عجيبة، أو أنه فقط القدر؟ لا أعلم. وأنا خلال أيامي الأخيرة أنسج وأرتب أفكارًا وعبارات لأخط مقالًا حول أمقت وأسوء المشاعر البشرية، وكيف لا يجب أن تنال منا وتظهر الجانب الشرير لدينا، إلا وأجد منسوب «الكراهية» لدي -أنا الذي اعتقدت أني كشفت سر النيل منها قبل النيل مني، والحفاظ على بشريتي خالية من الشوائب الضارة- يرتفع بشكل مهول، ليس تجاه صديق أو قريب، بل تجاه أحد الأشياء التي يفترض كونيًّا أن نبادلها سوى الحب والاعتزاز كالوطن.

فاجعة بوقنادل، التي شهدها المغرب صبيحة الثلاثاء الماضي، خلفت لدي وقعًا مؤثرًا بشكل عميق، أنسج لكم على وقعه، هاته الكلمات من خالص القلب، بعدما لم يطاوعني نومي هذه الليلة مستيقظًا لغاية الساعة الثالثة صباحًا، بعد تهاطلها واسترسالها بشكل غريب يلزمه نقلها لكم كما هي.

استيقظت صباح ذلك اليوم على إثر اتصال صديق عزيز لم أتواصل معه منذ مدة طويلة، بشكل مفاجئ ممزوج بحالة الإدراك النسبية لفترة الاستيقاظ الأولى، تلقيت المكالمة التي يطمئن فيها صديقي على حالتي لأن قطارًا يربط بين الدار البيضاء والقنيطرة قد اصطدم بآخر قادم من الاتجاه المعاكس بمنطقة «بوقنادل» قرب مدينة سلا، مخلفًا شهداء وجرحى كثرًا.

هل صدمت حينها؟ من الممكن جدًّا. لأني لم أستوعب الأمر جيدًّا إلا بعد تلقي اتصالات متتالية وبعض الرسائل النصية التي تتقصى عن حالي على مدار اليوم، من أختي وأخي اللذين لم أتلق اتصالات منهما منذ مدة، وبعض الرفاق الذين لم يطل غيابي عنهم سوى يومين فقط. حينها أصبحت روحي مملوءة بمزيج غير متجانس من المشاعر، التي جعلتني كقنينة تحوي خليط مواد كيميائية تفاعلت فيما بينها وتنتظر الفوران ثم الانفجار. كل هذا داخليًّا، في حين الظاهر الخارجي لي يحاول المقاومة ومواصلة حياته اليومية بنفس المزاج والتعابير والتصرفات المعتادة.

باعتباري معتادًا على التنقل باستمرار ما بين «سلا والقنيطرة» خلال وسط الأسبوع الدراسي، تمخض هذا القلق من كل الأقارب والأصدقاء. «أريد أن أطمئن على حالك، لأني قلقت أنك كنت بين المسافرين على متن قطار الفاجعة»، كانت الجملة الموحدة بين كل رسائل الاطمئنان على حالي التي توصلت بها، لأستوعب أثر صدمة خبر الفاجعة بشكل ملموس متسائلًا مع نفسي: ماذا لو كنت هناك؟ ماذا لو قررت –كما تعودت على فعله- فجأة الذهاب للمبيت عند عائلتي بمدينة «سلا»، والعودة في صباح اليوم التالي للدراسة على متن قطار الفاجعة، ماذا كان يمكن أن يحدث لي؟ هل أخرج سالما معافى كما حدث مع بعض زملائي؟ أم أصاب وأنقل في غيبوبة نحو غرفة العمليات في حالة حرجة كما حدث مع زميلي هشام؟ أم تنقل روحي للسماء مباشرة عقب الاصطدام كما حدث مع زميلتي الشهيدة إشراق؟

سلسلة من التساؤلات بدون أجوبة، استحوذت على فكر ووعي ليس معتادًا على التنقل اليومي بخط قطاري الفاجعة فقط، بل شغلت ذهن مصاب سابق باكتئاب حاد لمدة سنتين، يقاوم منذ شفائه «النسبي» السماح للأفكار السوداوية بالتسلل لذهنه، وبالتالي الاستسلام لمرضه النفسي مرة أخرى وإيقاف حياته.

للأسف عديد العوام من حولي، رغم إبدائهم كل التعاطف والتأثر بما حدث، أجدهم غير مستوعبين لمدى سوء وفظاعة ما حدث، فنحن نتحدث عن فاجعة بكل المقاييس، أودت بحياة 10 شهداء و125 جريحًا بإصابات متفاوتة الخطورة.
نحن نتحدث عن تعرض الحياة البشرية المقدسة لخطر إنهائها الكلي أو الجزئي، بسبب إهمال مؤسسة ضخمة وحيدة في السوق، لم يتضمن بلاغها حول الحادث كلمة اعتذار وحيدة.
نحن نتحدث عن فضيحة، لو حدثت في بلد يقدر الحياة البشرية، لاستقال كبار المسؤولين عن قطاع النقل وعن الشركة فورًا، كتعبير عن التقصير والتسبب في مقتل وإصابة أبرياء.
نحن نتحدث عن فاجعة تُضاف لسلسلة أحداث، ترفع من إحساس المواطن بالظلم والاحتقار والقهر على أرض بلده، يجد نفسه على إثرها كارهًا لوطن لا يبالي فيه مدبروه بأمر حياته بتاتًا.

مهما بلغت درجة واقعيتك وتقبلك لواقع الأمور، إلا وتجد نفسك مختنقًا مشمئزًا من قذارة الوضع. في المغرب، تتفاقم الأزمات والويلات يومًا بعد يوم، حتى جعلت شبابه ومراهقيه، بل حتى نساءه وأطفالهن يغامرون بحياتهم دون أدنى ضمانات، مواجهين أمواج البحر وبرودة طقسه وعتمته، للهروب منه بحثًا عن موطئ آخر لكي يحيوا.
في غياب تعليم سليم وعدالة اجتماعية، تدهور الوضع لغاية تجرد عديد البشر من إنسانيتهم، لنجد مخلوقات تسرق وتنهب ما تملكه حتى الجثث الهامدة أو الأجسام المغيبة ما بين الحياة والموت، إثر الحوادث والفاجعات كما حدث صبيحة يوم الثلاثاء الماضي.

يُضاف هذا لكل الألم والمعاناة التي يعيشها الشعب المسحوق يومًا بعد آخر، في المدن أو القرى أو بين الجبال. دموع وأسى هنا وهناك، إثر ظلم، أو غياب سبل علاج وتطبيب، أو فقر مضجع يبيت أسرًا في العراء وبدون قوت يومي يسد الجوع، ويعذب الجميع بتفشي الفساد واستفحاله أمام الملأ، فيرون اضطهاد الأمين والشريف، ورغد ونعيم ذوو السلط والمناصب منزوعي الضمير، في بلد متخلف تنهب خيراته ويقمع شعبه ويخوف، ولا يجب عليه إلا قول آمين، لأن الجنة هي مثواهم والدنيا فانية ويترتب عليهم أن يكونوا من الزاهدين.

في خضم الأنين الحاد لكل هذه الآلام والويلات، خلال هذا الليل الذي خذلني فيه النوم مستسلمًا لدماغي المثقل بالأفكار والهموم، تلازمني تساؤلاتي الأولى، واضعًا نفسي مكان من استشهد أو من أصيب، ومتذكرًا صورة شابة يافعة من أسرة بسيطة، كان من الممكن أن تغدو امرأة موظفة، وزوجة وأم، وتواصل كونها ابنة مطيعة تقر أعين والديها، انتقلت لدار البقاء في وطن –للأسف-سينسى أمرها وأمر جميع الشهداء والمصابين بعد وهلة، دون أدنى رد اعتبار محترم، لتظل ذكراهم مؤلمة لذويهم ومن يهتم لأمرهم فقط، وتطوى قضيتهم ضمن ملف التحقيق، الذي سيكشف لا محالة الجاني الحقيقي.

استسلمت منذ أعوام للحال المزري لواقعنا، وحينها قررت ابتلاع كل المرارة، والتوقف عن التذمر وخط مقالات مناهضة للوضع أملًا في التغيير، لأن ذلك لن يحدث، عالقين في حلقة مفرغة دون نهاية، لكن مع توالي السنوات ورغم الإقرار والتسليم بكل ما يدور ويحدث، تقاومك نفسك مضجرة سائمة من إصرار وطنك على زرع الحقد والكراهية تجاهه، صارخة بأعلى صوت، لماذا كل هذا الإصرار على ذلك، لماذا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد