منذ أن أعلنت حكومة ميانمار أقلية الروهينجا المسلمة جماعة عديمة الجنسية، وتنكرت لهم وداست على حقوقهم، واعتبرتهم مهاجرين غير شرعيين قدموا إليها من بنجلاديش، وبعد أن أثخنتهم يد العنصرية والتطهير العرقي البوذي قتلًا، وتعذيبًا، وحرقًا، وتهجيرًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا على مر العصور، منذ ذلك الحين وأقلية الروهينجا المسلمة تلتحف السماء في مخيمات يتم الوصول إليها بعد تكبد عناء رحلات برية وبحرية محفوفة بالمخاطر يموت خلالها المئات منهم، مخيمات تفتقر لكل شيء فلا صحة، ولا سلامة، ولا أكل، ولا أمن. ومن التطهير العرقي، إلى جرائم الاستغلال الاقتصادي، واستغلال الأطفال والنساء، والاتجار بالبشر يواجهونه يوميًا منذ أن أصبح أكثر من مليون منهم في المخيمات، فمن مخيم إلى مخيم، ومن لجوء إلى لجوء، ومن بحر إلى بحر، ومن بلد لآخر، هكذا أضحت حياة الروهينجا منذ سبعينات القرن الماضي.

في ترحالهم الروهينجا يستقلون «قوارب الموت» 

لا يملك الروهينجا خيارات متعددة ولا حتى خريطة طريق نحو حياة آمنة، هم يمتطون قوارب نجاة زادهم الحلم بعالم أفضل، فلا يفتأ أن يتحول الحلم إلى كابوس في عرض البحر، وقوارب النجاة إلى قوارب موت.

هذا الوضع المأساوي ازداد سوءًا مع ظهور جائحة كورونا، وبعد أن أغلقت دول العالم حدودها الجوية والبرية والبحرية، والتزموا الحجر الصحي العام. فقد أعلم آنذاك مسؤول من حرس السواحل البنغالية لوكالة «رويتر» للأنباء، أن سفينة كانت تقل أكثر من 400 فرد بقيت عالقة لشهرين في البحر بعد أن رفضت ماليزيا، وإندونيسيا، وتايلاند استقبالهم؛ مما أدى إلى وفاة 32 منهم، بينما تم إسعاف 392، الكاميرا التقطت لحظة إسعافهم صورًا لأجساد جدًا نحيلة ومنهكة لا تقوى على الوقوف بعضها ملقى على الرمال.

تقول التقارير: إن الآلاف عالقون في عرض البحر، فإذا اقتربت القوارب من السواحل وسمعت أصواتهم تستجدي الماء، أسعفوهم خفر السواحل بالماء والطعام وأعادوهم إلى البحر. يقول أحد الناجين إنهم بالمئات كانوا متكدسين على القارب، ومع نفاذ الماء والطعام باتوا يتشاجرون ويموتون جوعًا وتلقى جثثهم في البحر. وإلى يومنا هذا مازال الروهينجا يلاقون نفس المصير، ففي 4 يونيو (حزيران) وصل قارب قادم من كوك بازار من بنجلاديش إلى إقليم أتشيه في إندونيسيا على متنه 81 راكب أغلبهم من النساء والأطفال، الرحلة دامت 113 يومًا بسبب تعطل محرك القارب، ولحسن حظ الركاب فقد عثر عليهم صيادون من أتشيه وقاموا بإنقاذهم من موت كان محقق. وتعتبر الرحلات البحرية التي تمر عبر بحر أندمان محفوفة بالمخاطر، هناك أين تفقد القوارب فجأة ولا يعثر لها على أثر إذ أفادت عديد التقارير أن خطر الموت يتضاعف إلى ثلاث مرات لحظة مرور الرحلة عبر بحر أندمان، وأن العديد من الروهينجا لقوا حتفهم ما بين جوع، وعطش، وأمراض، وإلقاء الأشخاص في البحر أحياء.

ففي خضم حديثها عن أحد القوارب المفقودة أفادت إندريكا راتواتي مديرة إدراة شؤون آسيا والمحيط الهادي في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قائلة: «إن استمرار اللاجئين والمهاجرين في القيام برحلات مميتة، يبرر الحاجة إلى وجود استجابة إقليمية فورية وجماعية لعمليات البحث والإنقاذ والإنزال». صور تأتينا تباعًا للروهينجا بالمئات في قوارب متهالكة تأخذهم في رحلات موت، صور تؤرخ لوحشية الإنسان، لوحشية مجتمع دولي بأسره تنكر لهم.

معاناة الروهينجا زادتها غياب تلاقيح فيروس لكورونا فصولًا من العذاب

مع استمرار جائحة كورونا وتحول الفيروس في الهند وسرعة انتشاره، بات الروهينجا محاصرون في مثلث الموت، إما على يد البوذيين شعبًا وحكومة، أوعطشًا وجوعًا في عرض البحر، أو نتيجة لإصابتهم بفيروس كورونا. إن الوضع المأساوي الذي يعانيه الروهينجا في المخيمات من سوء تغذية وتلوث حوالي 60٪ من المياه جعل الكثيرين منهم يعانون من ضعف جهاز المناعة، وهذا يجعل مقاومتهم للفيروس حال التقاطهم للعدوى ضعيفة جدًا مع سوء الإمكانيات الصحية بالمخيمات، وفي ظل غياب التلاقيح باتت حياتهم جحيمًا. كما جاء على لسان أندريه ماهيسيتش المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في مؤتمر صحافي، أن لاجئي الروهينجا في مخيمات كوكس بازار في بنجلاديش لم يتلقوا أي جرعة من لقاح الكورونا، وأن عدد حالات الإصابات بالمخيم ارتفع ليصل إلى أكثر من 1188 حالة مؤكدة، مشيرا إلى خطورة الأوضاع في المخيم التي تشهد بالتزامن مع جائحة كورونا وفي ظل وجود طفرة متغيرة للفيروس، ازدحامًا كبيرًا وسوء إمكانيات الصرف الصحي مع محدودية في المرافق الحياتية.

الانقلاب العسكري في ميانمار يقضي على حلم الروهينجا

منذ استيلاء الجيش على السلطة في ميانمار في 1 فبراير (شباط) 2021 زادت معاناة الروهينجا، فالجيش عرف بكرهه الشديد للأقلية المسلمة هناك، وأذاقهم الويلات مدة حكمه خمسة عقود، اضطهاد الجيش لهم تسبب في نزوحهم إلى بنجلاديش منذ السبعينات، اضطهاد وتطهير عرقي وانتهاكات لم تتوقف حتى بعد الانتخابات وتسليم السلطة لحكومة أونغ سان سو تشي الديمقراطية طيلة 10 سنوات، بل ازدادت وحشية. فخلال حملة عسكرية سنة 2017 كانت أشبه بالتطهير العرقي أفادت مقررة الأمم المتحدة آنذاك ليانغي لي، أنه حوالي ألف شخص قتلوا خلال الحملة، مشيرة إلى أنه رقم أقل من الواقع. حملة عسكرية وحشية استعمل فيها الجيش الحوامات في هجومه على الروهينجا، كما قام بزرع الألغام، وإطلاق النار عليهم بالتزامن مع هجمات جوية لمنعهم من الهرب فقد أرادها إبادة جماعية للروهينجا. ورغم الترسانة العسكرية والهجوم الوحشي فإن الروهينجا تمكنوا من الهرب بمئات الآلاف باتجاه بنجلاديش والدول المجاورة برًا وبحرًا، وسط صمت مطبق لحكومة سوتشي، ودون أي تدخل لوقف مجازر الجيش، بل اكتفت الحكومة بالرد حين طالتها الانتقادات الدولية بأنها لا تسمح بالمبالغة. ورغم الاضطهاد والتطهير العرقي الذي يتعرض له الروهينجا على يد البوذيين شعبًا وحكومة، فإنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يشاهدون الجيش يعود للحكم من جديد إثر انقلاب عسكري، فقد أبدوا رفضهم للانقلاب وشاركوا في الاحتجاجات، وكناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، وحتى هناك في غربتهم القسرية رفع الروهينجا إشارة الثلاث أصابع، وهي شعار المقاومة ضد الانقلاب العسكري.

بعودة الجيش لسدة الحكم فقد الروهينجا الأمل في العودة إلى موطنهم، فقائد الانقلاب مين أونغ هلاينغ جلاد الأمس واليوم الذي أذاقهم ويلات من العذابات، لن يمنحهم حق العودة ولن يكمل ما بدأته حكومة سوتشي. ذلك أن سوتشي كانت تسعى إلى تحقيق المصالحة وتوحيد بلادها التي تضم 135 أقلية، فقد أمرت بعد تسلم مهامها بأربعة أشهر بتشكيل لجنة استشارية لإقليم أراكان، وقد أوصت اللجنة في تقريرها على منح الروهينجا الجنسية الميانمارية. هذه الخطوة كانت متعثرة، لكن الأمم المتحدة اعتبرتها بارقة أمل وخطوة نحو الاعتراف بالروهينجا كأقلية لهم حقوق المواطنة، لكن خيبة أمل كبيرة أصابت الروهينجا حال تولي الجيش السلطة، حتى أن الأمم المتحدة أبدت قلقها على 600 ألف من الروهينجا في الداخل. إن الروهينجا اليوم هم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لحملة إنقاذ عالمية كما وقع في البوسنة والهرسك وأفغانستان، حملة عالمية لحماية الروهينجا ومنع مجازر جديدة قد تعود لاقترافها في حقهم حكومة الانقلاب الدموية في أي لحظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد