رغم اختلاف هذا العالم في حيثيات الوجود والعدم، يبقى هناك أساس ثابت، يربط النسيج البشري، ولا يختلف عليه اثنان، وهي صرخات الولادة التي لا يختلف عليها اثنان.

رغم الفرح والشجون، الذي يرابط المنتظرين، لهذا المولود البائس الموجود في العالم، الذي يعاني من مأساة الوجود اللاشعورية، إلا أن الطفل يستمر بالصراخ،رافضًا كل معالم الفرح التي من حوله، كأنه يرفض وجوده أو ما سيفرضه عليه البشر، سواء اسمه أو عائلته أو حتى ذاته، باعتباره أحد أفراد هذا الكون المظلم.

تمر جميع الممكنات في هذا الكون بمرحلة الطفولة، ولكن هل هي مفرحة؟ وتأخذ مكانها في العقل الإسفنجي، الذي لا ينسى الذكريات، أم ستكون محزنة يخالطها القتل الطائفي، أو حتى التهجير، ومن المؤسف أننا نعترف بوجودنا بهذهِ البلدان، التي يحكمها ساسة الفشل والقتل، ويتحتم علينا أن نؤمن بالخارطة التي تحدد مساحة دولتنا، وتقيد حرية وجودنا الإنساني، رغم أنها قتلتنا ودمرت أحلامنا بمصطلح دول العالم الثالث، كأننا أقل مستوى في الإنسانية والشعور  من باقي دول العالم الأول، فهل حقًا نحن كذلك! هل ينقصنا شيء من الإنسانية؟! أم هي حتمية الوجود التي وضعها البشر أنفسهم، ليستطيع البعض  أن يكونوا أقرب إلى إله؟

بعد أن نعبر مرحلة الطفولة التي ننجو بها من من آفة الفقر أو المرض، ونهرب خلالها من العيارات النارية، نتيجة همجية الأفراح والأعراف العشائرية، ندخل مرحلة الشباب، التي يصيبنا بها خوف معرفة الذات، فالغالبية منا يتخبط فيها، بمحاولة معرفة سبب وجوده في هذا العالم البائس، فنبدأ بعدة تساؤلات:

من أين جاء هذا العالم؟ من أين جاءت تلك الآلام؟ عيونُ أمي مصغرةٌ كأوطان وأنا فيها مجردُ إنسان من أين جاء هذا الدين؟ من أين جاءت تلك الأوثان؟ حتى استباح القتل كل الفتيان، وأصبح الحبُ في منفى النسيان من أين جاء هذا العالم؟ من أين جاءت تلك الآلام؟

كل هذه الفرضيات والألغاز تأخذ الركن الأكبر من حياتنا، قد يكون ذلك نتيجة عدم انشغالنا ببناء مستقبلنا، لأننا نعيش في وطن أو بالأحرى شبه وطن، يحكمه ساسة اللاوعي، وتتحكم بشوارعه رصاص المرتزقة، فلا حياة لمن يرغب بالحياة، والموت هو الملاذ الوحيد لشعبنا الفقير، الذي بدأت عليه ملامح الطبقية بشكل واضح، وعن قريب جدًا، سنكون عبارة عن طبقة غنية حاكمة، وطبقة مشردة محكومة، وكل هذا الصراع حول طغيان الظلم على العدل، وانتشار الجوع على الأكل، ولون القتل على الحياة، هو مشترك بين اختيار الشعب بديمقراطية زائفة، وعمل الساسة بحكومة تبعية، ولن ينتهي بثورة عسكرية أو انتفاضة شعبية، وإنما يحتاج إلى معرفة للذات الإنسانية في داخلنا، ونستشعر الحد الأقصى للموت والمنفى، لنعلم أهمية الوطن الذي نعيش فيه، لأننا لن نعرف قيمة الأشياء حتى نفقدها.

كل هذه الفوضى في هذا الوطن، جعلتنا مجرد ظلال نحيا وسط هذا الظلام الدامس، فلا وجود حقيقي لذاتنا الانسانية، وباتت أحلامنا مجرد لا شيء في هذا الكون القهري، الذي يتحتم عليك فيه أن تضع عقلك في صندوق، لتتعامل مع نفاقهم، وتسلقهم من أجل سلطة أو مال أو شهوة، فهذهِ الحياة لم تجعل لنا مكانًا للعيش، نحن المجانين أصحاب العقول المكتظة بحروف الكتب والمنطق، وسجنت كل نوتات الموسيقى داخل أرواحنا، حتى أصبحنا ضبابيين من الخارج، والحياة سجينة داخل جدران أضلعنا، فنحن نحيا مأساة الوجود اللاشعورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد