منذ بدأت علاقتي بالأديب/ جمال الغيطاني، وانكفأت على كتبه ومقالاته ورواياته ومشاهدته، ويزداد حبي منه إلى العمارة وفلسفة البناء والخط العربي، أحاول بذلك الفهم وربط الأمور بعضها ببعض؛ الكتب والفن واللوحات والمقطوعات الموسيقية والعمارة والخط، غير أن ما أثَّر فيَّ بشدة كان كتابه استعادة المسافرخانة الذي أصدرته دار الشروق بالقاهرة بعنوان فرعي «محاولة للبناء من الذاكرة»، في حوالي 116 صفحة، قرأته في شهر يناير الماضي، وودت لو كتبت عنه مقالة تعريفية، خاصة وأن الأستاذ – رحمه الله رحمة واسعة وحنَّن الأرض على جانبيه – كتب هذا الكتاب بعدما وصله خبر احتراق القصر الذي دُمر تمامًا في 22 أكتوبر عام 1998، فقام بتشييد البناء مرة أخرى ولكن من ذاكرته، ويقول عنه:- دمار المسافرخانة أعظم وأفدح من دمار الأوبرا عام 1971.

تكاسلت واختفت الفكرة، ومرَّت أربعة أشهر وزيادة، ثم عادت سيرة المسافرخانة في كتاب آخر للأستاذ «نوافذ النوافذ» فتحرك الحب الدفين للمكان، وتساءلت لماذا لا أكتب عن الكتاب مرة أخرى بعدما تجدد العهد وعاد الوصل به، ثم عنَّ لي أن أسعي لزيارة المكان ومحاولة الكتابة عن المكان نفسه بعيدًا عن فكرة مقالة عن الكتاب، وبالمرة أن أقف على ما قرأت عنه، وأربط بين المادي المحسوس والمعنوي الموجود في الخيال، فهذا أوثق للذاكرة، أن ترى ما تقرأ عنه أو تعيش ما تجده في الكتب.
علي مدار يومين متتالين وطئت الجمالية بدروبها الباعثة على الحنين والمؤانسة للنفس، شوارع ضيقة وعتيقة، وبها من وقع الاسم على الروح الأثر العظيم، وكما كان الغيطاني دليلًا على الكتب إلى المسافرخانة، كان أيضًا دليلًا إلى المكان في الواقع، دخلت إلي الشارع المسمى باسمه، والذي سمي به من جهة شارع المعز، الشارع جسرًا بين عالمين، أولهما حضور تام ومفعم بالحياة، وعلى الجهة الأخرى، عالم التاريخ والأسبلة والمساجد وزوايا الصالحين، من شارع المعز إلى شارع الجمالية عن طريق شارع «جمال الغيطاني حاليًا»، الضبيبة سابقًا، بدأت الرحلة نحو استكشاف بقايا المسافرخانة.
انحرفت مع نهاية «الطريق/ الجسر»، بدأ شارع الجمالية، توغلت أكثر في الشارع وشاهدت وعاينت ما وجدته في الكتب من أسماء المساجد والحواري والأسبلة والدروب «مسجد أودَّة باشا، العطفة الجوانية، حارة الدرب الأصفر، حارة المبيضة، خانقاه بيبرس الجاشنكير، حوش عطي، حارة التمبكشية…»، ينتهي شارع الجمالية أمام وكالة بازرعة، حضور طاغٍ للمكان بكل محتوياته بشر وحجر ومساجد، تفاصيل كثيرة تود لو استفهمتها.
يبدأ حضور المسافرخانة – عندي – من حارة «حبس الرحبة» على يسارها وكالة بازرعة شامخة يليها جهة اليمين «حارة التمبكشية»، تنسب إلى باعة التنباك، وهو نوع من أنواع الدخان، من حبس الرحبة نزداد التوغل في التاريخ، وتقل قوة وكالة بازرعة وحضورها وتبدأ الضعف والهوان في نهايتها المدمرة تمامًا، والمطلة على حارة «درب المسمط»، ظهر الوكالة مدمر كأن الزلزال قد مر من هنا.
يقع قصر المسافرخانة وراء وكالة بازرعة، ويمكن الوصول إليه من مكانين، أولهما حارة «درب المسمط»، حارة حادة طويلة، صمت تام وخوف من التوغل أكثر، والمكان الآخر حارة «درب الطبلاوي» علي ناصيته مسجد «سيدي مرزوق» يصفه الأستاذ بأنه «أحد أجمل وأرق وأشجى المساجد التي رأيتها في حياتي»، في المرة الأولى التي رأيت فيها القصر المنهار والأثر الذي كان واندثر، بدأتُ الزيارة من حارة درب الطبلاوي، وصلت إليها بعد عناء وأسئلة الكثيرين، نساء عجائز ومسئولي المقاهي والباعة، أستفسر عن القصر الذي كان ثم احترق، يصفون الطريق فألتزم ولا أحيد وأمشي كما يقولون حتى لا أتوه وأصلُ إلى مبتغاي.
مدخل درب الطبلاوي ينقسم إلى شقين، أما الأيمن فهو «حارة قصر الشوق»، لم أدخلها مؤجلًا الزيارة لحين البدء في الثلاثية، المهم أن الشق الأيسر حارة «درب الطبلاوي»، الحارة التي وودت زيارتها منذ زمان بعيد ورغبتي تزيد عن سنتين وأكثر، الآن أنا في حارة «درب الطبلاوي»، أقترب متوسدًا شغفي للوقوف أمام شيئين أولهما، عطفة باجنيد والبيت رقم واحد، مكان ميلاد الأستاذ/ الغيطاني وبدء وفادته وسعيه إلى الدنيا، والآخر قصر المسافرخانة يقابل منزل الأستاذ ويقع في مواجهته، استوقفت سيدة وسألتها عن المكان فقالت: هو ده المسافرخانة، تُؤكد أمورًا وتنسى أخرى ثم تقول: كان جميل جدًا يا خسارة اتحرق.
وخز في قلبي ونحيب دائم ورغبة في البكاء على احتراق المكان ودماره التام وتبديده بالكلية، ولم يبق إلا كالطلل البالي، التقطت بعض الصور وانصرفت- لم أود الانصراف أصلًا – عدت إلى البيت لأقرأ استعادة المسافرخانة مرة أخرى، ووعد بزيارة للمكان تكون أكثر تفصيلًا، والوقوف على ما بقي منه.
لكن ما حكاية القصر؟ وما يمثله من قيمة؟ ولماذا أفرد له الأستاذ كتابًا من مؤلفاته؟ ولماذا رغبت في الزيارة والمشاهدة والكتابة عنه؟
عام 1779، قام شهبندر التجار بمدينة القاهرة محمود محرم الفيومي – نسبة إلى مدينة الفيوم– ببناء المرحلة الأولى من قصر المسافرخانة في موقعه الحالي، وعلى ناصية حارة درب المسمط أنشأ مسجدًا باسمه، بعد ذلك بعشرة أعوام، وبالتحديد في 1789 استكمل ابنه المرحلة الثانية، ثم أُهدى البيت إلى إبراهيم باشا بن محمد علي ليتم استخدامه مكانًا لاستقبال الضيوف واستراحة المسافرين، ومن هنا جاء اسمه المسافرخانة، كان القصر له مكانة عظيمة لدى أسرة محمد علي باشا، حيث إنه في القاعة القبلية بالطابق العلوي من القصر ولد الخديوى إسماعيل، الذي تولى عرش مصر في الفترة من عام 1863 حتى عام 1879، وشهد أول ثمانية أعوام من عمره في هذا القصر، بعدما أهدى القصر إلى أمه الأميرة فاطمة، وفي القصر تم إقامه فرح ابن شهبندر التجار محمود محرم، يقول الأستاذ عنه: فرح تحدث عنه المؤرخون، وصفوه، وربما أشار إليه السفراء الأجانب في تقاريرهم السرية.
في المرة الثانية للزيارة اتجهت مباشرة إلى حارة «درب الطبلاوي»، ثلاثة شباب يلعبون الكرة، منظرهم يشع ريبة ورهبة، أكثر مما يبعث على الأمان والاطمئنان، أسأل أحدهم عن رغبتي في دخول القصر، خاصة أنه من أهل المنطقة، وأن المكان محاط بالقمامة من جميع الجهات، فقال إنه لا بُدَّ من دفع المال للدخول، هناك من يأخذون المال بالداخل لرؤية ما تبقى من القصر، فاحت من كلامه رائحة النصب والخداع، خاصة أن ملامحه ابتسمت لرفيقه الآخر، شكرته وانصرفت بعدما قررت الدخول إلى القصر من جهة درب المسمط.
عدت إلى درب المسمط وريبة تحاوطني، أن أرى ما لم أمر به سابقًا ولا أدري العواقب بالداخل، وخفت من غوائل الزمن ووقوع ما لا أقدر على تخيله، أكملت الطريق بانحرافاته ووقفته على الجهة الأخرى من القصر، قديمًا كان هنا الباب الرئيس للمسافرخانة، حالة مزرية شاهدتها، وبلغت مني مبلغًا عظيمًا، «قمامة هائلة – دمار تام للمكان – كلاب – قطط – طيور تنقر في القمامة عساها تجد ما يقيم الأود..»، صعدت منحدرًا وعرًا مستعينًا بقضبان حديد معلقة في الهواء، حولي القمامة في كل مكان ورائحتها أقذر مما يمكن وصفه.
وجدت الملقف منهارًا، وهو بمثابة أداة تكييف بمفهومنا الحالي، يستقبل الهواء البارد ويبدله مع الهواء الساخن، ويعمل على توزيع الهواء إلى أبعد نقطة في البيت، بقايا آثار نافورة تقريبًا في وسط البيت، انهيار المكان لم يجعلني أعرف أي شيء عن البيت مما وصفه الأستاذ في كتابه، فأين «قاعة المجد» أحد أجمل القاعات في البيوت العربية، وأين أضخم مشربية في مصر، والتي كانت في المسافرخانة، وأين العمود الرخامي الروماني الذي كان يحلمها، وأين السقف والأبواب والزخارف والنقوش.
تأملت المكان قليلًا ووقفت على أطلاله مستغفرًا الكريم؛ أن صار المكان إلى هذه الحال، بعدما كان له تلك المكانة، في خروجي من درب المسمط، وقفت مع أحد العمال وحكيت لهم ما أعرفه عن القصر ومكانته في التاريخ وما يمثله من قيمة، لمعت عيونهم من معرفتهم جزءًا مما يجاورونه في التاريخ ولا يعرفون عنه سوى أنه مبنى أثري، قال لي أحدهم إن القصر ظل مشتعلًا لمدة عشرة أيام تقريبًا – بني القصر في عشرة أعوام واحترق في عشرة أيام، إنا لله وإنا إليه راجعون – في المقارنة بين ما قاله ذلك الرجل وبين طبيعة المكان الضيقة تجد كلامه منطقيًّا، خاصة أن القصر يقع في دروب ضيقة للغاية.
يقول الغيطاني في كتابه عن المبنى الذي يضارع – في رأيه – قصر الحمراء بإسبانيا وإيوان كسرى بفارس وطوب قابى سراي بإسطنبول: «كان المسافر خانة ركنًا ركينًا في درب الطبلاوي، وباختفاء القصر، فقد الدرب جزءًا رئيسًا من ذاكرته، وفقدت القاهرة القديمة مركزًا للإشعاع وبث الخصوصية، فهل نحن في مواجهة زمن يشهد مجموعة من الأحداث تستهدف تفريغ القاهرة من مضمونها الروحي، وإلغاء ذاكرتها خدمة وتنفيذًا لدواعي العولمة، يتم هذا مرة باسم التطوير، ومرة بالحريق؟».
في عددها 13017 بتاريخ 24/10/1998 تنشر جريدة الحياة ما نصه:- «تعرض قصر المسافر خانة الاثري في القاهرة لحريق ضخم أول من أمس، أدى إلى تدمير أسقفه وأبوابه الخشبية وإصابة زخارفه بأضرار بالغة، فضلًا عن تهدم جزء كبير من جداره الخلفي، ويذكر أن المبنى نفسه تعرض لحريق، لأسباب مماثلة، في كانون الثاني يناير الماضي. وجاء الحريق الذي نشب أول من أمس عشية طرح مشروع لترميم القصر «المسافر خانة» في مناقصة تقدر بأربعة ملايين دولار». اهـ
ومن الفقرة السابقة نلمح أن القصر احترق مرتين في العام نفسه «1998» أولها كانت في يناير، والآخر – والذي يبدو أنه كان القشة التي قصمت ظهر البعير- كان في أكتوبر، ويبدو أنه ثمة ارتباط بين إعادة ترميم القصر – بعدما رمم أول مرة عام 1969 حين نظم الدكتور/ ثروت عكاشة احتفالية كبرى بمناسبة مرور ألف عام على تأسيس القاهرة – وبين احتراق القصر ودماره بهذا الشكل المزري، الذي يؤكد ذلك ما نقلته جريدة اليوم السابع في أحد أعدادها عن القصر.
حيث يقول أحد الأشخاص: «كان يبلغ ارتفاع القصر ما يقارب 22 مترًا، وكان يضم العديد من التحف المعمارية الفنية في ذلك العصر، العديد من محاولات الترميم انتهت إلى الفشل، وتم تخصيص ميزانية لترميمه، إلا أنه تم التلاعب بها وسرقتها، مما جعل الجهاز المركزي للمحاسبات يفتح تحقيقًا عن مصير هذه الأموال، لنفاجأ في أحد أيام عام 1998 بحريق هائل يلتهم المكان، وقالوا إنه ألقي في القصر «بودرة سريعة الاشتعال» وفقًا لكلام مسئولين المعمل الجنائي.
بعد كل ما سبق لا أجد من يُلخص حزني وجزعي على دمار القصر مثلما قال الأستاذ في أحد مواضع الكتاب:- «أدخل حارة الطبلاوي الآن، فأتحاشى النظر إلى حيث تلوح جدران المسافر خانة المتهدمة، أمر بسرعة إلى الطرف الآخر، طاويًا أحزاني وحنقي على كل ما انتهت إليه الأحوال، وغلبة الفساد والإهمال، الذي قضى على هذا الكون من الجمال وأضاف إلى ذاكرة القاهرة منطقة معتمة، خرابة كانت تضج يومًا بأصداء الضوء، وأشعة الابتهال».
إنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد