يعود مفهوم العدالة من جديد ليفرض نفسه، بعد أن نسيه السوريون طوال التسع سنوات الماضية، والتي شهدت بحقهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية نُفذت على مرأى ومسمع العالم.

رياح العدالة أتت من ألمانيا التي شهدت مؤخرًا أولى جلسات محاكمة ضابطين سابقين في مخابرات النظام السوري، وهما إياد الغريب، وأنور رسلان رئيس قسم التحقيق في «الفرع 251» أو فرع أمن الخطيب في دمشق، الذي وجه إليه الادعاء الألماني تهمة بتعذيب نحو 4 آلاف شخص، قُتل منهم 58، إضافة لحالتي عنف جنسي واغتصاب، في الفترة الممتدة بين أبر يل (نيسان) 2011، وسبتمبر (أيلول) 2012، وذلك وفق ما تم توثيقه فقط، إذ يعتقد أن الأرقام غير الموثقة أكبر من ذلك.

لا يمكن لهذه المحاكمة أن تكون حدثًا عابرًا، فهي تحمل في طياتها العديد من الدلالات التي وجب تسليط الضوء عليها.

بداية، إن هذه القضية هي أول محاكمة دولية علنية لمسؤولين في النظام السوري، وتعود أهميتها بوصفها خطوة بارزة نحو تحقيق العدالة الانتقالية التي لم تبدأ بعد لإحدى أكثر الحروب تعقيدًا وتأثيرًا وإجرامًا في العصر الحديث. تلك العدالة التي ما زال طالبوها من الضحايا وذويهم يتشبثون بها، ليس انتقامًا وإنما محاسبة لمجرمين لم يوفروا أي جهد في انتهاك حقوق المدنيين والإجرام بهم بشكل ممنهج.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مفهوم العدالة الانتقالية ليس مقتصرًا على الترتيبات القانونية وحسب، رغم أهميتها، وإنما يشمل حزمة من الترتيبات الاجتماعية والنفسية والمالية، وتحديد الظلم الواقع كممارسة، وليس كأفراد أو جماعات محددة. فهو يهدف إلى تهدئة النفوس وامتصاص الغضب الناجم عن الظلم، الذي لو سمح التعبير عنه فقد يسبب أضرارًا بالغة وتعميقًا للجروح والشرخ المجتمعي. ففي النموذج الرواندي مثلًا، قدم أكثر من 800 ألف شخص متهم للمحاكمة في تنفيذ الإبادة الجماعية عام 1994 والتي شملت عمليات قتل واغتصاب وتعذيب وتمثيل بالجثث، إضافة للقادة المشرفين والمخططين للإبادة من جميع الأطراف.

إن ما تحتاجه الحالة السورية بعد سنوات الحرب الطاحنة هو تأكيد أن تكون عدالة انتقالية لا انتقامية، عدالة بحق كل من تلطخت يداه في دم الشعب السوري بغض النظر عن عرقه أو طائفته أو موقفه السياسي، وهو ليس طريقًا سهل المنال، إنما يحتاج لوعي نخبوي ومجتمعي بإدراك أهمية هذه المرحلة لإعادة بناء وترميم العلاقات بين مكونات المجتمع السوري.

وما يميز هذه المحاكمة، أنها عمل سوري خالص، فهي نتاج جهد استثنائي يقوم به ثلة من السوريين الحقوقيين المتمرسين، والشباب إلى جانب الحقوقي أنور البني الذي أمضى خمس سنوات من الاعتقال في سجون النظام السوري قبل أن يغادر إلى ألمانيا في عام 2014. وفي هذا السياق، أود أن أسلط الضوء على فئة الشباب والشابات تحديدًا ضمن الفريق القانوني، فقد خضع هؤلاء خلال السنوات الماضية، لتدريبات على يد خبراء ومحامين أوروبيين مختصين في القانون الدولي، وكان لهم دور بارز في عمليات التوثيق وتدوين شهادات الضحايا. هذا الجيل السوري الجديد الذي تعلم في أرقى الجامعات الأوروبية وأدرك معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، سيكون له بصمة فارقة في مستقبل سوريا، واليوم بتنا نرى ملامح هذا الجيل عبر تفاعله وترويجه لقضاياه الإنسانية بلغة عصرية تحاكي المجتمعات في دول اللجوء، كأمثال الشاب عمر الشغري (24 عامًا) المتحدث والناشط في مجال حقوق الإنسان، والمدافع عن حقوق المعتقلين السوريين وهو الذي أمضى ثلاث سنوات في سجن صيدنايا سيئ الصيت.

ومما لا شك فيه، أن لهذه المحاكمة والجهود القانونية أثرًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا بالغًا على سياسة النظام الخارجية الحالية، التي تروج لانتهاء الحرب وعودة السلام إلى سوريا، وبداية عهد جديد يتمثل بنهاية العزلة الدولية للنظام السوري، كما حدث في عام 2007. هذه المحاكمة وغيرها من المشروعات القانونية، تجهض جهود النظام، وتفضح ممارسات العديد من أزلامه المسؤولين عن الجرائم بحق المدنيين السوريين، في الأوساط الاجتماعية والدولية الغربية، والتي يسعى النظام لإعادة تطبيع العلاقات معها والقبول به بحكم الأمر الواقع.

أثبتت المحاكمة أنه من الصعب لأي مجرم أن يستطيع العيش بهناء في أي مكان كان، عبر تغيير موقفه السياسي فقط، أو الانسحاب من أقبية التعذيب، وأن الطريق نحو العدالة الانتقالية قد بدأ للتو في حالة فريدة وخاصة بالوضع السوري، بعيدًا عن مسرح الجريمة وسوط الجلاد، أعزل أمام أعين ضحاياه وذويهم. هذا الحدث هو دعوة صريحة لكافة السوريين حول أهمية توثيق الجرائم وتقديم الشهادات، والتعاون مع المؤسسات الحقوقية ودعمها في تقديم المزيد من المجرمين للمحاكم الدولية، مع تأكيد أن السوريين وحدهم هم القادرون على بناء وطنهم من جديد، بخبراتهم العلمية وشبابهم المثقف، لتجاوز آلامهم نحو دولة ديمقراطية تحمي حقوق الجميع، لا مكان فيها لأي شكل من أشكال الإرهاب، دولة كان أم أفرادًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد