خرج السلطان منتصرًا، ازداد حجم محبيه، وارتفع رصيد شعبيته ومكانته، كما أنه ما زال يعيش انتصاره الذي يقاسمه الشعب معه والذي سيسجله التاريخ بأحرف من نور، وخلال تلك الأفراح خرجت جموع الشعوب الحرة منتصرة، علاوة على خروج اللاجئين والمظلومين إلى جانب الأمهات والاطفال والشبان الأحرار وكل من يؤمن بالديمقراطية منتصرًا، وقبل ذلك كل من ينتصر للإنسان وللإنسانية وللكرامة وللحقوق والحريات، ويرى في تركيا وشعبها وقيادتها نموذج الديمقراطية الحقيقية والنهضة والتنمية .

لم يقتصر الانتصار عند ذلك الأمر، فقد انتصر كاتب هذه السطور بانتصار الديمقراطية، انتصر لتركيا وشعبها وقيادتها العظيمة، حتى وصل الأمر إلى تهنئتي من قبل كثيرين بفشل الانقلاب بطبيعة ما يعرفونه عن حبي العميق لتركيا وشعبها وقائدها منذ فترة طويلة، علاوة عن عزمي الصارم في إطلاق رصاص ناري ابتهاجًا وفرحًا بانتصار تركيا وفشل محاولة الانقلاب .

انتصرت الديمقراطية في تركيا فكان انتصارًا للديمقراطية الحقيقية ولكل الأحرار في عموم العالم، وكسر الشعب معضلة الانقلاب الذي دفن الأتراك عهد الانقلابات في الماضي حينما قرروا بداية عهد جديد لتركيا، بداية تنمية وعدالة وديمقراطية ونهضة قبل أكثر من عشر سنوات على أيدي حزب العدالة والتنمية الحاكم برئاسة الطيب أردوغان وساعده بذلك وعي المواطن وانسجامه مع هذا المسار .

التاريخ هذه المرة سينفرد في خانة خاصة من ذاكرته بأنه لم يحدث في هذا الزمن المتناقض، أن مكالمة سكايب فقط انتصرت للديمقراطية وأفشلت انقلابًا عسكريًا، سيبتهج بدخول حدث كهذا في أدراج خاناته وسيفتخر بذلك، سيدوّن فرحًا أن شعبًا عظيمًا بوعيه انتصر على الدبابة والمدرعات والجيش برمته، أن مواطنـًا اعتقل آلاف الضباط والجنرالات وزجهم في السجون .

انتصرت إدارة الشعوب الحرة، وانكسرت قوى الظلام والعبث، وتدحرجت العربات والدبابات، وهو ما يؤكد أن وعي الشعوب أساس في بناء الدولة وإفشال أية محاولة خارج سياق الديمقراطية، وأنه أقوى العالم متى صح العزم والوعي لمواجهة أي تداخل مزدوج، فهو يكمن في أنه بوصلة النهضة والتنمية والأمن والاستقرار في دولته وأمته، وهو أيضًا في الوقت ذاته يكمن في أنه مدخل للعنف والتقزم والحروب والجدال والمناكفات متى ما تواجد الغباء وتوفرت المادة، غاب أمام ذلك العقل والوعي والإدراك الوطني لمجريات أي حدث أو قضية تمس الدولة والديمقراطية .

واجهت تركيا بطبيعة حكمتها ووعيها كل الرياح التي عصفت بها من شتى الاتجاهات على مر سنوات، وصمدت أمام كل المحاولات البائسة التي كانت تحاول إحداث زعزعة وفجوات في أمنها واستقرارها ونهضتها .

فتعبئة المواطن بالوعي والحكمة كانت عاملًا أساسيًا في نهضة وتنمية تركيا وإطالة عدم حدوث انقلاب خلال أكثر من عشرة أعوام علاوة على أن الوعي ذاته من أفشل محاولة الانقلاب الأخيرة، وهو ما كان يتجاهله الطيب أردوغان وللأسف، بيد أنه وبلا شك عمل مع رفاقه في الحزب الحاكم والشعب أجمع خلال هذه الفترة على غربلة الدولة والمؤسسات من كل الجماعات والأدوات التخريبية والانقلابية والعبثية التي تحاول إحداث عبث في المجتمع التركي، إلا أنه لم يضع لديه احتمال وجود أمر كهذا أو ما شابه .

فالعامل الأساسي في إفشال أية محاولة انقلابية أو حالة توتر وقلق في الشارع التركي هو وعي الشعب وحكمته وإدراكه لمجريات الأحداث، وطبيعتها من جميع المحاور، وهو ما حدث أكثر من مرة وتكرر حدوثه أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها مجموعة انقلابيين في الجيش حينما خرج الشعب التركي إلى الشارع بكل أطيافه وتوجهاته بلا استثناء رافضًا للانقلاب بعدما استقبل مكالمة سكايب كان لا بد منها كحلقة وصل من قبل أردوغان لوضع الشعب في طبيعة ما يجري، وحثهم على الخروج إلى الشارع لرفض الانقلاب والحفاظ على الديمقراطية وعلى أمن تركيا واستقرارها ونهضتها وتنميتها وعدم السماح بإعادة الماضي وعهد الانقلابات التي طوت تركيا صفحاته، بيد أن تلك المحاولة لم تكن على شخصية أردوغان أو حزب العدالة والتنمية الحاكم، بل كان محاولة انقلاب على الديمقراطية التي سار على خطاها الشعب في مسيرة نهضته وتنمويته .

محاولة انقلاب تعامل معها الشعب أجمع بروح الفريق الواحد لإفشالها بسرعة فائقة، واعتقال منفذيها، بدا للعالم أجمع أن أردوغان نجح في إفشال الانقلاب وعمل على قلب الموازين وخلط الأوراق، وأطفأ فرحة كثير من الدول والقوى، ولم يتسن له ذلك بل انفرد بالتاريخ بصورة عميقة وجرّد العالم من كل عباءاته الجوفاء والمتناقضة، بيد أن المحاولة الانقلابية كادت أن تعصف بتركيا وتنسف كل ما أثمرته وبنته خلال أكثر من عشرة أعوام، ويدخلها في بحر متلاطم للأزمة والفوضى، بالمثل تمامًا تعامل بعض الانقلابيين بروح المسؤولية وعدم الإقدام على قمع الشعب، واتخذ طريقـًا أنسب لتجنب ذلك ولكي يدفع ثمن ما اقترفه؛ فاستسلم للإرادة الديمقراطية وللشعب، ذلك لاستشعاره بالخطأ الجسيم الذي قاده إلى ذلك بحسب توجهات قيادية انقلابية متوغلة في مؤسسة الجيش .

ومع العلم أن الخطر لم يزل تمامًا، وثغرة الانقلاب لم تُسد بشكل كامل، بحيث إنها أحدثت تأثيرًا مجتمعيًا وموجة احتقان في الوسط التركي رغم الإجراءات المتخذة والخطوات التي واكبت فشل الانقلاب، إنما ذلك قد تخفف من حدة التوتر والتداخل، وتكون مدخلًا لإنهاء كل عوامل الانقلاب وتعطي اندفاعًا إستراتيجيًّا لدى السلطات بوضع حواجز أمام أية محاولة قد تمس ديمقراطية تركيا، بل العمل على وضع دروع قوية مضادة لكل المحاولات البائسة .

فمحاولة الانقلاب الفاشلة لم تكن هي العاصفة الأولى ولن تكون الأخيرة التي واجهها الشعب التركي؛ فقد سبق وعاش أوضاعًا مشابهة من خلال التوجهات لبعض الفئات والجماعات بخلق حالة شغب واحتقان وغضب في الشارع، إلا أن الوعي التركي انتصر وتغلب على تلك المعضلة، ذلك لأن المجتمع في غنى عن تلك الأحداث بكونه ولأول مرة منذ عقود يعيش حالة من النهوض والتنمية والاستقرار وهناك توفير لكل متطلبات الحياة وأكثر من ذلك، على عكس المجتمعات العربية التي تعيش فقرًا وبطالة وسوء معيشة وانعدامًا للأمن والاستقرار بسبب الأنظمة القمعية الدموية، الظلامية علاوة على جنون العظمة والديكتاتورية لديهم في قمع الشعوب، وإدخال دولهم في حالة فوضى وحرب واقتتال .

والأمر الأهم من خلال تلك المحاولة هو الدرس الجيد الذي استوعبه الطيب أردوغان لإعادة النظر في مؤسستي الجيش والأمن والوضع الداخلي بشكل عام والخارجي والعلاقات، وأيضًا وضع دول العالم أمام اختبار حقيقي من خلال مواقفهم المتناقضة إزاء ذلك الأمر، وهو ما كشف الستار والنقاب عن نفاق دول العالم ومستوى مواقفهم المتناقضة والمتلونة والغامضة بين فترة وأخرى، بينما ارتفع صراخهم لاحقـًا تندد بحملة الاعتقالات الواسعة التي طالت السلك القضائي ومؤسسة الجيش في ظل استمرارية أردوغان بذلك الإجراء دون إبداء أي اهتمام أو اعتبار لتلك الصرخات والتنديدات الجوفاء. وهو ما يؤكد موافقة أو ضلوع بعض دول العالم بالانقلاب إن لم يكن موافقتها وابتهاجها وفرحتها التي غابت وتدحرجت وتحولت إلى خيبة وانكسار قبيل إعلان الشعب التركي فشل الانقلاب .

وكان لا بد من الرئيس أردوغان أن يستشعر جيدًا مآلات خطواته التي أضحت مؤخرًا شبه متهورة وجعلته في وضع حرج، من خلال تقزم علاقاته مع الجوار ونبرة خطابه المتكررة والتي دومًا ما تكون موجهة وغاضبة، بيد أنه كان عليه أن يتوقع في أية لحظة حدوث أمر كهذا، بعدما حاطت به أزمات متفاقمة أنتجتها سوء علاقاته مع بعض دول الخارج لتعارضه مع مواقفهم المتلونة من حين لآخر.

فتركيا لعبت دورًا أساسيًّا وما تزال في مجريات الأحداث بالمنطقة، من حيث دعم الشعوب والإنسانية، والوقوف بجانب المظلومين بشتى تنوعاتهم وفئاتهم، علاوة عن نهضتها الاقتصادية وتنمويتها، ودبلوماسيتها وتأثيرها على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي بحكم موقعها ومكانتها وطبيعة نظامها وإمكانيتها وأدواتها وما تتمتع به من شتى المجالات والعلاقات، والتي مكن أردوغان من خلال ذلك إلى الانطلاق والنهوض، والانفراد بعلاقتها ومواقفها، وهو ما استغلته بعض قوى الخارج كعامل لإحداث اختلال في هذا الإطار واستفزازها عبر مختلف القضايا العالقة في المنطقة، وهو ما كان على أردوغان أن يستوعب ويدرك ذلك، بيد أن إطالة أمد الأزمة السورية وورقة اللاجئين التي استخدمها أردوغان ضد أوروبا بامتياز وتقزم الوضع العام في تركيا داخليًّا وخارجيًّا كان من شأنه الإيقاع بالدولة، أو على الأقل فرملة كل خطواتها وتفردها في مواقفها، والإقدام قبل ذلك لتطبيع العلاقات مع العالم ومحاولة فتح قنوات تواصل وتبادل مصالح في مختلف القضايا والإشكاليات مع دول الجوار والعالم أجمع .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد