«أخاف من اليوم الذي تتفوق فيه التكنولوجيا على التفاعل البشري، حينها سيمتلك العالم جيلًا من الحمقى» ألبرت أينشتاين.

خاطبته يومًا بعد أن ضاق ذرعي بتلك الأصنام الورقية الآخِذة في التزايد واحتلال المساحة الأكبر، عوضًا عن كونها تتصدر واجهة العرض. قلت: يا أستاذ هذه الروايات والكتب هزيلة جدًّا ورديئة. من فضلك لا تساهم في ترويجها وبيعها وانتشار اسم أصحابها، هذه الأعمال الوضيعة لا تصل لأدنى درجة لتدخل تصنيف الأعمال الأدبية كما يدَّعي من كتبها أو قرأها. ناهيكَ عن اللغة الركيكة في الكتابة، والأخطاء النحوية، والكوارث الشديدة في الصرف والإملاء. هذه الترهات يا سيدي تُفسِد الذوق السليم، وقد حُشيت بالثرثرة الفاسدة، والهراء اللاذع.
قطب حاجبيه وزمَّ شفتيه محملقًا بالسقف للحظات ثم أجاب: يا أخي تظنُّ أني لا أعلم! صحيحٌ ما تقول، نعم. لكن ما العمل؟! والزبائن يتهافتون عليها، وتُباع أكثر من غيرِها، ودور النشر تتسابق في إعادة طباعتها. والطلبية منها تنفد في شهرٍ بأكثر تقدير، بينما الكتب الأخرى ربما مكثت شهورًا، ولمّا بيعت منها نسخة واحدة.

منذ تسعينيات القرن الماضي ووجه العالم المألوف في تغيّر مستمر؛ نتيجة الثورة الرقمية التي ألبست المجتمعات والشعوب حلّة جديدة لم تعهدها. صحيح أن التطور التكنولوجي سهّل الحياة في كثير من جوانبها، ولهُ الفضل الأكبر في التقدم العملي والتطور الصناعي، إلا أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة أفرزت لنا العديد من الأوبئة والتحديات والمخاطر غير المسبوقة.

تَفَشَّى في المجتمعات – والعربية منها خصوصًا- وباء التفاهة؛ وما هو بالوباء الجديد، وُجِد سابقًا في المجتمعات كافة على مرِّ العصور، إنما تجددت آفاقه في عصرِنا، واستفحلت عوارضه أَثَرَ البيئة المناسبة التي ساعدتها على النمو والتكاثر، حصيلة التطور التكنولوجي، وظهور وسائل التواصل.

هوَى صرح الثقافة وشمسُها واستُبدِلت بها التفاهات والحماقات التي نسبها أصحابها إلى الفن والأدب بكافة الأشكال والتكوينات. صار القزم الجاهل أديبًا أو شاعرًا، والأخرقَ المُغفل فنانًا، والسفيهُ الأبله واعِظًا أو فقيهًا.

انهارت منظومة الأخلاق والآداب، وباتت الوقاحة دليلًا على الظرافة وخفة الدم، وقلَّة الأدب من ضروب الفكاهة والدَماثة. وقيمٌ كالأصالة، والشهامة، والشرف، والمجد، والنزاهة، والنبل من مخلفات العصور الحجرية والأقوام البائسة، المحافظ عليها مُتخلِفٌ وغير متحضِر. وانظر إلى مستقطبات الجمهور على وسائل التواصل بمختلف أشكالها، تر أن أكبر عدد من المشاهدات أو المشاركات والإعجابات يقع على سفاسف الأمور وأحقرها، تُدرِك بعين العاقل حجم الوباء وانتشاره، وما آل حالُنا إليه، وما سيكون حالُ الأجيال القادمة.
ومما لا ريب فيه أن من أدوار الإعلام الرئيسية هي الإخبار، والمساعدة في تشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو القضايا المصيرية والجوهرية، علاوة على مهمته في عملية التثقيف وزيادة التوعية.

أين الإعلام العربي من كل هذا اليوم، باستثناء بعض القنوات المعدودة! وسائل الإعلام العربية غثٌّ سمين، بُؤَرٌ من الفساد والسخافة والانحلال الأخلاقي والمهني. تحط من الذوق والعام، وتدمر عقول الشعوب وتخربها بالبرامج الساقطة، والأخبار المُسيّسة. حوَّرت المفاهيم وسطحت الثقافة، وجعلت طالب الحق أفَاكًا، والظالم عادِلًا شهْمًا، أَعلَت من شأن الحمقى والجاهلين، وصيّرتهم من أهل الفن والأدب، وهمشت وجود المفكرين الصالحين، ورجال العلم الصادقين.

طوّرت حكومات العالم الوباء، واستخلصته لنفسها، مستغلّةً إياه لتحقيق المصالح والمكاسب دون رقابة الرأي العام وأنظار المحكومين، فأنتجت منه أشكالًا متعددة، وأوجدته في كل الأماكن، وصيّرته في بعض الأحيان قضيةً وطنية، منتهزةً في كل هذا عواطف الشعب الساذج المسكين، الذي صُرِف نظره عن القضايا المصيرية المتعلقة بأمن بلادهِ واقتصادها المُنهار، وإخوانه المظلومين داخل سجون الحكم، وانتهاكات السلطة وتعديها على القانون. ولك أن تنظر إلى كل حكومة حول العالم ديمقراطية كانت أم استبدادية، لتلحظ بعضًا مما قرأت.
لا تتوقف شركات الإنتاج والمصانع عن تصنيع السلع الرديئة، والمنتجات الفاسدة، ما دامت تجد من يشتريها ويُقبِل عليها. وربما طوَّرت عليها وجددتها في كل مرة. من فضلك، توقف عن استهلاك هذه المنتجات وقاطِعها. وتوقف عن جعل الأغبياء والحمقى والبُلْه مشاهير وذوي قيمة. توقف عن استهلاك التفاهة. لنفسك عليك حق بأن تُذوْقِها وتُطلِعُها على الأشياء السليمة، التي تحافظ على فطرتها وجمالها، لا أن تفسدها وتؤذيها.

واعلم أن النهضة والعُلو لن يتحصَّل لقوم أغفلوا العلم وأعرضوا عنه، وانشغلوا بما يضرهم ولا ينفعهم.
وأذهب مع الأديب الإسباني كارلوس زافون في ظنّهِ بأن العالم لن يفنى بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات