لا تمرّ الساعات إلا وهي تحمل كمًّا من التصريحات الرسمية التي ترفض إعلان تهدئة دون موافقة السلطة الفلسطينية عليها، وذلك منذ بدء الحديث عن وجود مفاوضات غير مباشرة بين حركة حماس والاحتلال بوساطة أممية ومصرية، على اعتبار أن منظمة التحرير ما زالت الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين، على الرغم من عدم انضمام حركتي حماس والجهاد للمنظمة.

قبل أيام كانت تصريحات لحركة فتح على لسان مسؤول المكتب الإعلامي في مفوضية التعبئة والتنظيم منير الجاغوب، مشيرًا خلالها إلى أن أي تهدئة مع الاحتلال يجب أن تتم بموافقة منظمة التحرير، وذلك بعد إنهاء ملف الانقسام الداخلي الذي استغرق سنوات طويلة دون إتمامه حتى اللحظة، مشترطًا أن تشمل التهدئة مع غزة، وقف التوسع الاستيطاني الذي تشهده الضفة المحتلة بما فيها القدس، حيث جاء ربط ملف الاستيطان في الضفة، بالتهدئة في غزة، بعد نفاد مخزون التصريحات والتلويح بالتوجه إلى المحاكم الدولية عقب كل مصادقة للاحتلال على نشاط استيطاني كبير منذ سنوات طويلة، استيطان سبق الانقسام وسبق حصار غزة، وسبق أيضًا الحديث عن تهدئة فيها، فلماذا إذًا تصرّ حركة فتح على ربط الملفات في رزمة واحدة؟، ربما كونها تخشى إخراجها من الساحة السياسية خاصة بعد تصريحات المبعوث الأمريكي لعملية السلام في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات التي هدد فيها السلطة الفلسطينية بإيجاد بديل عنها في حال رفضت أي مسار تهدئة مع غزة.

أما موقف حركة فتح وفق ما أعلنت عنه مصادر مصرية وأخرى فصائلية فلسطينية، فتمثل بالرفض للورقة المصرية التي قدمتها القاهرة لإنهاء ملف الانقسام وإتمام المصالحة، رفض مرتبط بإحدى الحالتين، إما مواصلة المماطلة في ملف المصالحة كونها تربطه بالتهدئة، ما يعني أنها تماطل أيضًا في الموافقة على التهدئة لعدم إتمامها، في الوقت الذي تواصل فيه السلطة الفلسطينية فرض عقوبات على قطاع غزة، فيما تحاول السلطة من خلال المماطلة، البحث عن صديق سياسي يتوسط لها أمام رعاة التهدئة للضغط على أطراف مفاوضات التهدئة بالقبول بمنظمة التحرير الممثل الرئيس في مثل هذه المفاوضات، والقبول بشروط فتح إعلانها التهدئة بعد تمكين الحكومة في القطاع – أي بعد المصالحة-.

تعكس تصريحات رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار الأخيرة حالة التعسر في ملف المصالحة، وخشية التوصل إلى تهدئة بسبب ذلك، والتي هدد فيها بقلب تنظيمات ومؤسسات في حال استمر الحصار على غزة وفرض عقوبات وملاحقة الغزيين بقوتهم ومستحقاتهم المالية، كما وهدد بقصف «تل أبيب» في أي وقت أرادت المقاومة ذلك، الأمر الذي ستخشاه «إسرائيل» التي تدرك أن السنوار يدير القطاع بعقلية عسكرية، وإذا قال سيفعل في الوقت المناسب.

وعلى الرغم مما نقلته قناة «كان» العبرية أن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» نداف أرجمان التقى بالرئيس محمود عباس قبل أشهر قليلة، في رام الله، وحاول إقناعه بعدم الوقوف في وجه جهود التهدئة مع غزة، معتبرًا إياها الخطوة التاريخية، كما نقلت عن الرئيس تصريحه للإسرائيليين أنه لا يلتقي برئيس الوزراء نتنياهو كون الأخير رفض لقائه بوساطة روسية مرتين، ولكنه دائم اللقاء مع رئيس «الشاباك» وأنه يتفق مع 99% من القضايا مع «الشاباك» الإسرائيلي، لكن السلطة الفلسطينية ما زالت تملك ورقة ضغط وحيدة قد تلوح بها في أي وقت تشعر أنها منعزلة سياسيًا، خاصة بعد قرارات واشنطن المتتالية ضد الفلسطينيين منذ إعلان القدس عاصمة «إسرائيل» مرورًا بتقليص دعمها لميزانية السلطة، ثم وقف تمويل «الأونروا».

 ورقة الضغط هذه تتمثل في إعلانها التنصل من التنسيق الأمني الذي طالما وُصف بأنه مقدس، ما يعني أن الاحتلال سيواجه في الضفة الغربية أفعال مقاومة لا يمكنه وقفها، إذا رفعت السلطة قبضتها عن المقاومة فيها، ما يعني زعزعة الاستقرار الأمني الإسرائيلي، والتي قد تلجأ «إسرائيل» إلى وقف مباحثات التهدئة مع غزة مؤقتًا في سبيل حماية التنسيق الأمني لما له من تاثير كبير جدًا على أمنها، خاصة في ظل توترات يعيشها الشعب الفلسطيني في الآونة الأخيرة، ومحاربته بقوته، عدا عن أن واشنطن تواصل دعمها للميزانية العسكرية لأجهزة الأمن في السلطة، وذلك ليس لشيء سوى الحفاظ على مستوى التنسيق الأمني مع «إسرائيل»، طفلة أمريكا المدللة في الشرق الأوسط.

وختامًا، يبقى السؤال الذي يُطرح من ذلك كله، هل ستفشل جهود التهدئة مع غزة، أو سيطول البحث فيها -خاصة بعد توقفها منذ عيد الأضحى- كما طال أمد البحث عن مصالحة حقيقية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد