استوقفتني مقولة للفيلسوفة الألمانية روزا لوكسمبروغ التي اغتيلت على يد الجيش الألماني حيث قالت: «فقط أولئك الذين لا يتحركون لا يشعرون بالسلاسل التي تقيدهم» فهذه المقولة تفسر حال بعض الذين ما زالوا موالين لنظام البشير في السودان أو من يقفون في الحياد، فهم حقًا لا يشعرون بسلاسل هذا النظام التي تقيد تقدمهم، لا يشعرون أن سودانهم أصبح في ذيل العالم، سودانهم الذي كان حريًا به أن يصبح عالمًا قائمًا بذاته لما يتمتع به من موارد وكفاءات.

وإذا افترضنا جدلًا أن هؤلاء محض أنانيون ولا يعنيهم أين أوصل هذا النظام وطنهم طالما أن وجود هذا النظام يصب في مصالحهم الشخصيه إذًا فالسؤال:؛ ما الذي يلقاه هؤلاء من هذا النظام يجعلهم لا يزالون يصرون على بقائه؟ ما المقابل لتأييدهم هذا؟

هل يوفر لهم هذا النظام حياة كريمة؟ هل يعيشون في سودان غير الذي يعيش فيه بقية الشعب وغير الذي نراه ونرى ما وصل إليه من سوء أحوال اقتصادية ومعيشية؟

المضحك المبكي أن هذه الشريحة من المجتمع ليس لها أي امتيازات عن غيرها من بقية المجتمع، يعانون كغيرهم للحصول على أبسط الاحتياجات اليومية يقضون جل يومهم في الصفوف للحصول على خبز أو وقود أو حِفنة نقود يعملون من أجلها ما تبقى من يومهم.

والمحزن حقًا أنهم لا يصرون على بقائه لأنهم منتفعون، فلو كان كذلك لكنا فرحنا من أجلهم، فالمنتفعون فقط هم الرؤوس الكبيرة من شِرذمة النظام الذين يظهر انتفاعهم جليًا في حجم «كروشهم» ولكنهم يصرون على بقائه لأنهم لا يعلمون ما معنى «حياة كريمة» فهم لا يرون أكرم من هذه الحياة التي يعيشونها، إذ يخرج الفرد منهم صباحًا ليأتي بخبز مساءً وقد أنهكه التعب ولقي ما لقي من أصناف المعاناة، ولكنه في الأخير قد عاد، (أوليست هذه نعمة) وهذا ما ظل النظام يعلمه لهم طيلة أعوامه المنصرمة، علمهم أن لا يتحركوا كي لا يشعروا بسلاسل هذا النظام التي تُقيدهم، فكلما كان هذا الشعب يشكو سوء حال كانوا يذكرونه بمن هم أسوأ حالا فأصبحوا ينافسون على السوء حتى بلغوا الدرك الأسفل منه.

ولما ضاق العقلاء الطموحين الذين يحلمون بحياة تليق بهم بسلاسل هذا النظام ذرعًا وخرجوا مطالبين بحقهم في (الحرية والسلام والعدالة) وغيرها من الحقوق، ليخرِجوا وطنهم من غَيابة جُب الفساد الذي رماه فيه هذا النظام الذي يُسمي نفسه «الإنقاذ!»، وينهضوا به سياسيًا وفكريًا وحضاريًا، برر البشير خروجهم هذا بالأسباب المضحكة نفسها ولم يكلف نفسه حتى عناء الخروج عن النص المألوف، إذ وصف ما يحدث بأنه مؤامرة كونية ضد حكمه الرشيد تقودها قوى إرهابية توظف شذاذ الآفاق والمندسين وأخذ يستجدي عاطفة هذا الشعب البسيط الدينية ويساوِمه على أمنه ويلعب معه اللعبة نفسها (انظروا لمن أصبح حالهم التشرد والدمار).

غير مدرك أن هذا الشعب قد أفاق وعلم أن هنالك اتجاهات أخرى يمكن أن ينظر إليها، بل وأصبح يراها بوضوح، غير هذا الوراء الذي التوى عنقه من النظر إليه.

وما زال الرجل يكذب ويصرح ويعد بالإصلاح دون خجل! الإصلاح الذي كانت خزينة السودان على مدى ثلاثة عقود تكفي لكل شي إلا له، ومدعاة العجب أن البعض ما زال يصدق، حتمًا ليس لوجه الرجل المفعم بالطيبة الذي يدعو للتصديق وليس لصدقه المعهود! ولكن لأنهم يريدون أن يُصدقوا. بأي إدراك وبأي مصلحه لا أعلم إذ لا يصدق هذه السخافات ولا يدعي تصديقها ولا يسكت عليها إلا فاقد للعقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات