مقدمة

إن أرادت النخب وقيادات الأحزاب والفصائل السياسية الفلسطينية أن تقدم شيئًا حقيقيًا للشعب الفلسطيني نصرة له ولقضيته، وأن تقدم دعمًا لأهلنا في القدس في ما يواجهونه من مخططات منظمة في محاولة لطمس وتهويد آخر معالم التواجد العربي، الإسلامي والمسيحي في المدينة، هو الذهاب لانتخابات برلمانية ورئاسية تجرى تباعًا.

فلا شيء ينتصر للقضية والشعب الفلسطيني أكثر من تقديم نظام سياسي واحد موحد بين قطري الوطن. مع برنامج سياسي وطني، يستنهض كامل الطاقات والإمكانات والقوى المتاحة لدى الشعب الفلسطيني. وتسخيرها في خدمة قضيته وبناء وطنه من جديد، بعد سنوات من الركود، بل والتراجع على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

أهمية الانتخابات

من الصعب على أحد إنكار أهمية الانتخابات في أي نظام سياسي في العالم. حيث إنها تجسد المعنى الحقيقي والكامل للكلمة اليونانية القديمة (ديمقراطية) حكم الشعب.

فمن خلال الانتخابات تتنافس الأحزاب، القوى والنخب السياسية فيما بينها لتقديم أفضل البرامج والخطط التنموية والاقتصادية للنهوض والتطور بدولهم. والتجربة والتطبيق على أرض الواقع لاحقًا من قبل تلك القوى بعد انتخابهم من قبل عموم الشعب، هي معيار الحكم والقياس لمدى نجاعة تلك القوى في تحويل تلك الخطط والبرامج إلى سياسات وممارسات على أرض الواقع. فإن نجحت بذلك، تستمر الجماهير في تقديم دعمها لهم عن طريق تجديد الشرعية لتلك القوى والنخب السياسية بانتخابهم مجددًا، أو بانتخاب نفس التيار والحزب السياسي الممثل لتلك البرامج والخطط.

وإن فشلت، فتتجه الجماهير نحو نخب وقوى سياسية أخرى. وهنا يظهر عنصر المنافسة، الذي يعتبر من أهم العناصر ليس فقط بين القوى والنخب السياسية لتقديم افضل ما لديها من خطط وبرامج تنموية للنهضة والتطوير، بل في الحياة. فغياب المنافسة في أي شكل من أشكال الحياة يقتل حرفيًا السعي نحو التطور والتغيير المستمر. والأمثلة كثيرة في الحياة سواء على صعيد القطاع الخاص، السياسة، الرياضة… إلخ. لا داعي لذكرها هنا.

الانتخابات والشباب

مؤخرًا أصبحت المشاركة في العملية السياسية، وصنع القرار، ورسم السياسات والبرامج للبلدان ليس حكرًا كما كان متعارفًا عليه طوال عقود من الزمن على من هم في سن متأخر من العمر. بل أصبح للشباب في سن صغيرة، وهنا نتحدث عن عمر 30 عامًا فأكثر، دور فاعل ومؤثر في صنع السياسات. بل ووصل البعض منهم لسدة الحكم كما هو الحال في فرنسا مع الرئيس الحالي «ماكرون» 39 عامًا حين وصل لرئاسة فرنسا، ومع المستشار النمساوي «كورس» 31 عامًا الذي حقق انتصارًا كبيرًا في برلمان النمسا. وفي بعض الولايات الألمانية وهنا نتحدث عن رابع أقوى اقتصاد في العالم من ناحية الناتج المحلي الإجمالي. حيث حقق جيل الشباب اختراقًا في رئاسة حكومة بعض الولايات مثل «كريتشمر» 43 عامًا عن ولاية سكسونيا، و«غونتر» 44 عامًا عن ولاية شليسفيغ هولشتاين و«مانويلا» 43 عامًا عن ولاية مكلنبورغ فوبومرن.

كما تظهر الملاحظة، سيما في البرلمانات الأوروربية عن طفرة حقيقية في مشاركة الشباب في العملية السياسية وصنع القرار. حيث شكلت مشاركة الشباب في العملية السياسية، ليس فقط في التمثيل في البرلمان، بل في صنع السياسات وتطبيق الخطط والبرامج السياسية والاقتصادية، في إحداث تغير حقيقي وتطور في تلك البلدان التي شهدت مشاركة الشباب. وهو ما ترجم على أرض الواقع من نهضة اقتصادية في تلك البلدان.

حيث إن لكل جيل هنالك تحدياته السياسية والاقتصادية ومشكلاته الخاصة، والمنطق يتطلب مشاركة أبناء هذا الجيل من الشباب في ابتكار وتطوير حلول وبرامج لمجابهة تلك التحديات.

والحالة الفلسطينية ليست بمنأى عن تحديات أبناء الجيل الواحد، بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة. أضف إلى ذلك خصوصية الحالة الفلسطينية وما تعاني منه من احتلال وانقسام سياسي في النظام الفلسطيني. فكل ذلك يتطلب مشاركة فاعلة وواسعة في من قبل الشباب؛ كونهم يمثلون الفكر الجديد، والطاقة الكبيرة والحافز لصنع الفارق واختراق المشكلات في محاولة لإيجاد أفضل الحلول لها، كونهم الأكثر فهمًا وإدراكًا لواقع مشكلاتهم وتحدياتهم.

لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال إهمال الجيل الكبير والقديم من القادة وصناع القرار؛ فهم لديهم من التجربة والخبرة الكبيرتين ما يمكنهم من المساهمة بشكل فاعل في صنع القرارت وموااجهة التحديات، وتقديم الاستشارة الفاعلة لجيل الشباب في مجابهة تحدياتهم. فالحديث هنا عن دور تكاملي تفاعلي، لا إقصائي بين الجيل القديم من القادة وجيل الشباب، في صنع القرارات ورسم السياسات.

الانتخابات الفلسطينية والنمو الاقتصادي

للاقتصاد الفلسطيني حالة خاصة، من حيث الشكل وطريقة النمو، ومصادر الدخل. حيث إنه يعتبر شكلًا من أشكال الاقتصادات التابعة. لكن هنا التبعية ليست لتكتل اقتصادي أو مجموعة اقتصادية. بل إنه تابع بحكم الواقع والقوة للاحتلال الإسرائيلي. وهنا لسنا بمعرض الحديث عن أسباب هذه التبعية، أو طرح كيفية التخلص منها. بل سنركز محور الحديث عن كيف للانتخابات على مر السنوات العديدة السابقة، في أن تساهم في تطوير الاقتصاد الفلسطيني وتحقيق نوع من التنمية المستدامة وزيادة دخل الفرد؟

بالرجوع إلى تقارير ذات العلاقة بالاقتصاد الفلسطيني والناتج المحلي الإجمالي ودخل الفرد التي أصدرتها جهات رسمية، كجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني. نلاحظ أنه وفي آخر خمس سنوات، من 2016-2021 شهدت إما تراجعًا بنسبة الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبنسب متفاوتة تتراوح بين 3-6.5%.

وبنظرة سريعة على ميزانية السلطة الفلسطينية في آخر 10 سنوات وتحديدًا بين عامي 2010-2020، شكلت المنح والدعم المالي المباشر لخزينة السلطة الفلسطينية ما متوسطه 30% من إجمالي الميزانية. كما أن الضرائب والجمارك التي يحصلها الاحتلال الإسرائيلي على المعابر والحدود والتجارة الخارجية نيابة عن السلطة، ومن ثم إعادة تحويلها بعد خصم جزء منها كأتعاب تشكل ما متوسطه 40-50% من إجمالي ميزانية السلطة. والنسبة المتبقية التي تقدر من 15-20% من ميزانية السلطة هي التي تجمعها السلطة الفلسطينية من الضرائب والعمولات المحلية الأخرى. وبعد الاطلاع على رسم بياني أصدره جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني عام 2020 لموازنة السلطة الفلسطينية في آخر 10 سنوات، تحديدًا بين عامي 2010-2020، نلاحظ أن ميزانية السلطة الفلسطينية لم تقل عن 3.5 مليار دولار في السنة ولم تتجاوز 4.5 مليار في سنوات أخرى. والغريب تسجيل عجز سنوي في الميزانية يتراوح ما بين 1 – 1.4 مليار دولار سنويًا. حيث يتم اقتراض مبالغ من البنوك المحلية لسد جزء من هذا العجز، وتحميل جزء آخر من هذا العجز على مصروفات وإنفاقات الحكومة السنوية، من خلال اتخاذ تدابير ووسائل التقشف في الدوائر والمؤسسات الحكومية، وتأجيل بعض المشاريع الحكومية التطويرية وخصم على المرتبات والعلاوات والحوافز لموظفيها.

وبلمحة سريعة نستطيع الحكم بأن الاقتصاد الفلسطيني هو اقتصاد هش وتابع. ويشهد حالة ركود أو تراجع في بعض السنوات نتيجة عوامل عدة، نعم أبرزها الاحتلال الإسرائيلي وممارساته. لكن لا يمكن إغفال جزء رئيس ألا هو حالة الانقسام السياسي الفلسطيني، وماتبعه من غياب للعملية السياسية الديمقراطية، التي ساهمت باحتكار النفوذ والسلطة وصنع القرار بيد مجموعة صغيرة حاكمة، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة. وما يترتب على ذلك من غياب التنافسية التي تحدثنا عنها سابقًا بين القوى والأحزاب السياسية. وبالتالي غياب الرغبة في الإبداع والابتكار وحل المشكلات العالقة، التي منها الاقتصاد الفلسطيني وسبل تطويره، وتخفيف الاعتماد على المساعدات والمنح الخارجية، التي تحمل في طياتها إملاءات وأهداف سياسية.

كما ساهم احتكار السلطة على مدار سنوات الانقسام وغياب الديمقراطية من النظام السياسي الفلسيطيني في خلق حالة حتمية من الفساد الإداري والمالي بين هذه الفئة الحاكمة؛ نتيجة غياب الرقابة التشريعية والقانونية على أداء السلطة التنفيذية، من حيث تصميم المزانية وآليات الصرف. كما انعكست هذه الحالة من احتكار السلطة على عديد من مؤسسات ونقابات المجتمع المدني الفلسطيني. والشواهد على ذلك كثيرة للمطلع على ذلك. فغياب الديمقراطية في النظام السياسي الفلسطيني، ترك بصمته على هذه المؤسسات المدنية، من حيث تغييب العملية الديمقراطية في بعضها لاختيار مجالس إداراتها، وتغييب مبادئ المساءلة والشفافية وتفشي الفساد المالي والإداري في البعض الآخر. ومن هنا تبرز الأهمية الكبيرة لترسيخ مبادئ الديمقراطية في النظام السياسي الفلسطيني، وبشكل عاجل، ومنع أي محاولات لتغييب الديمقراطية. فغيابها يعني الفساد السياسي والمجتمعي، وانعدام الشفافية في أداء السلطة التنفيذية، وانتهاك حقوق المواطنين.

أما تثبيت العملية الديمقراطية، فسينعكس إيجابًا، أولًا على النظام السياسي الفلسطيني، وعلى النخب السياسية، وعلى أداء النخب الحاكمة المنتخبة وعلى مؤسسات المجتمع. فاستمرار حكمها يرتكز على أدائها السياسي والاقتصادي، ومدى تطبيقها لبرامجها السياسية والاقتصادية. لا على قوة نفوذها وسيطرتها؛ لأن هناك مؤسسات رقيبة على أدائها، وهناك جمهور ناخبين ينتظرها بعد عدة أعوام سيكافئها بإعادة الثقة بها، أو يعاقبها على أدائها بانتخاب نخب سياسية أخرى.

الانتخابات الفلسطينية نصرة للقدس وللقضية الفلسطينية

لا يختلف اثنان على أهمية وحدة النظام السياسي الفلسطيني وبرنامجه في مواجهة التحديات الكبيرة المحدقة بالقضية الفلسطينية، وأهمها الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولاته المستمرة في طمس ما تبقى من الهوية العربية والإسلامية في الضفة الغربية، سيما في مدينة القدس، وذلك من خلال التغول الاستيطاني الكبير في الضفة الغربية، ومحاولات الاحتلال الإسرائيلي طمس الوجود العربي الفلسطيني، في القدس الشرقية من خلال هدم المنازل ومصادرة أخرى، وترحيل السكان الأصليين عن أرضهم ومساكنهم، وعدم إصدار رخص بناء جديدة للمقدسيين، والعديد العديد من المضايقات الأخرى التي يتعرض لها أهلنا في القدس.

ومن هنا نؤكد على أنه من الضرورة الوطنية الملحة إصلاح الحالة والخلل السياسي الكبير في النظام السياسي الفلسطيني الذي استمر إلى الآن ما يقارب 15 عامًا، والمتمثل بالانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وبوابة إصلاح هذا الخلل يتمثل في الذهاب إلى انتخابات تشريعية فلسطينية، تجري في الموعد المحدد لها، وتباعًا انتخابات رئاسية ومجلس وطني، ثم إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة، تتوافق والقوى السياسية الفلسطينية الحالية. مع التأكيد على عدم إلغاء الانتخابات الفلسطينية أو تأجيلها تحت أي مسوغ من المسوغات. حتى وإن هدد الاحتلال الإسرائيلي بمنع الانتخابات والترشح في مدينة القدس، فالرد على هذه التهديدات يكون بالمضي قدمًا في طريق الانتخابات.

ولندع الاحتلال الإسرائيلي ينفذ تهديداته في مدينة القدس بمنع العملية الانتخابية سواء بقمع الدعاية للمرشحين المقدسيين، أو بمداهمة ومصادرة صناديق الاقتراع من قبل شرطة الاحتلال، ولنأخذ هذه الصورة لهم ونستغلها إعلاميًا لصالح قضية الشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي. أما التلويح بإلغاء الانتخابات لمجرد تصريح الاحتلال الإسرائيلي بمنعها في القدس، فهو تماش وتوافق مع مخططات الاحتلال بوعي أو بدون وعي، الرامية إلى إبقاء الحال على حاله من انقسام سياسي وجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فهو في منطقة راحته في هذه الحالة، فلا شيء أبهى للاحتلال الإسرائيلي من تفكك وانقسام الشعب الفلسطيني وقيادته. وفي حالة نفذ الاحتلال تهديداته بمنع العملية الديمقراطية في مدينة القدس، فالأنجع لنا فلسطينيًا إتمام العملية الديمقراطية لأهلنا في مدينة القدس من خلال استخدام وسائل التكنولوجيا والإنترنت للتصويت والاقتراع لمن يحق لهم المشاركة بدلًا من إلغاء الانتخابات. وبذلك نكون قد فوتنا على الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مخططه بإطالة عمر الانقسام، وأكدنا في الوقت نفسه على إرادتنا في تغيير الوضع القائم، وإصلاح الخلل والبوصلة في النظام السياسي الفلسطيني وتجسيد معنى الإرادة والسيادة الوطنية على أراضي الدولة الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد