ماذا ستفعل لو اكتشفت أن حياتك خدعة كبيرة؟ وأن كل شيء كنت تظنه محسوبًا بدقة هو محض عبث؟ وماذا سيحدث حين تتعامل معه؟ بتلك الفرضيات ينطلق فيلم The Truman Show.

حياة موظف التأمينات ترومان (جيم كاري) عادية إلا أن ماضيه يؤرقه. حلم بالسفر لكن غرق أبيه في رحلة بحرية معه جعله يخشي المياه. استقر في وظيفته في الجزيرة التي يعيش بها، واستمر في زواجه رغم تعلقه بامرأة أخرى، لكن بدا أن الجميع يحول بينهما؛ فقد حذرته مرة بأن واقعه مزيف، وأتى أبوها وأخذها بعيدًا، وحذر ترومان قائلاً: “إنها مريضة نفسية تختلق الأكاذيب”. وما زال يحاول تذكر شكلها والوصول لمكانها.

 

تبدأ أحداث مفاجئة فيشاهد شبيهًا ﻷبيه في الشارع، ويقترب منه فيبدو أن الناس يمنعونه، ويقتادون أباه بعيدًا! يظن في البداية (بتأكيدات أمه وزوجته) أنه يهذي بسبب ذكرى أبيه الأليمة إلا إنه يلاحظ سلوكيات الناس المكررة بصورة آلية غير طبيعية. يتصرف بعشوائية ويصطدم بالجميع ليرى النتائج؛ فتتضاعف شكوكه حين يرى من حوله يتصرفون وكأنه مركز الكون.

 

92

 

يأتي صديقه ليهدئه ويؤكد أن أباه حي، ويرى ترومان أبيه في مشهد مؤثر، لكن هناك من يراقب بالكاميرات ويضيف مؤثرات صوتية للمشهد ويذيعه للمشاهدين في برنامج مباشر حول العالم! وقد يبدو هذا فيلمًا عن أضرار برامج تليفزيون الواقع كفيلمedtv، لكن “صانع” البرنامج ومخرجه (إد هاريس) يتصرف كصاحب سلطة مطلقة، وقد يبدو تصرفًا اعتياديًّا لمبتكر أي عمل فني، لدرجة جعلت البعض يعقدون مقارنات بين الفن والدين؛ حيث صار صناع الأعمال الفنية يتصرفون كالكهنة وأكثر!

فكرة البرنامج كانت أن تتبنى شركة المخرج للإنتاج ترومان منذ ولادته، وتبث حياته بلا انقطاع للعالم. يبرر المخرج ذلك بأن المشاهدين قد ملوا المشاعر الزائفة، وترومان ليس شكسبير، لكن مشاعره حقيقة، وليست تمثيلاً، فازداد الإقبال عليه.

 

 

يفسر المخرج الأحداث في حياة ترومان؛ فالفتاة التي أحبها أُبعدت لتجاوزها دورها المكتوب في النص، أما إغراق أبيه فلمنعه من التفكير في مغادرة الجزيرة، لكن تسلل الممثل/أبيه لإستوديو التصوير (الجزيرة بأكملها) وتسببه بحيرة ترومان جعل المخرج يدخله لحياته مجددًا ليهدأ. ويقول المخرج أنه سيفسر غياب أبيه بإصابته بفقدان الذاكرة، ويفصح عن مفاجآت جديدة للجمهور، حول مستقبل ترومان، فلا يبدو هذا كتلفزيون واقع، حيث خدع شخص من البداية، ويتم التلاعب بتفاصيل حياته حسب رغبة “صانع” البرنامج!

93

 

يفاجأ الجميع باختفاء ترومان؛ فيقلب المخرج الجزيرة بحثًا عنه ويضيئها بسطوع الشمس رغم التوقيت الليلي! ينتبه للبحر فيجد ترومان على قارب محاولاً الخروج من الجزيرة. لقد كان المخرج واثقًا من عودة ترومان لخوفه من المياه، ومن عدم اكتشاف ترومان لزيف عالمه، لأن البشر يصدقون واقعهم.

 

ولكن لتصميم ترومان على الخروج، يطلب المخرج من معاونيه عاصفة رعدية حتى يخيفه، رغم تحذيرات مساعديه لخطورة هذا على حياة ترومان، فيظهر عدم اكتراثه ويتسائل ترومان متحديًا “أهذا أفضل ما عندك؟”. لفشله في إخافة ترومان الذي وصل لنهاية الجزيرة يقرر مخاطبته.

 

فيسمع ترومان صوته من السماء يخبره بأن لا شيء خارج العالم الذي صنعه حقيقي أكثر سوى الخوف، فهو ينتمي إلى حياته النمطية المريحة معه. يخرج ترومان من باب الإستوديو للمجهول، وسط ذهول المخرج وانقطاع إرسال البرنامج.

الفلسفة التي ينطلق منها الفيلم هي تحميل أقدار الإنسان الصعبة للإله (المخرج)، وهذه فلسفة قديمة، فقد وصف أبيقور الإله قائلاً: “إن كان قادرًا على التدخل لمنع الشر عن البشر ولا يتدخل فهو يحقد عليهم”!

 

أما نيتشه فقد قال: “إن الإله خلق الكون ليلهو بالقرود البشرية”! والأساطير الإغريقية مملوءة بقصص مصارعة زيوس كبير آلهة جبل الأوليمب للبشر، ورغم كونها فلسفة وثنية قديمة إلا أن هناك من يصدقها لليوم.

 

وفي الثقافة الأمريكية المعاصرة وعلى ألسنة ملحدين نجد نفس الأفكار مثل ما حدث في حلقة لمسلسل House عندما قسّم سبورة تشخيصه للمرض لقسمين أشبه بلوحة نتائج المباريات، وفي إحداهما اسمه مذيلة بصفر، والقسم الآخر للإله وتحتها 1، وفي حلقة لمسلسل scrubs تجد د.كوكس في لحظة غضب ينظر للسماء متسائلاً: “ما الأمر؟ أتشعر بالملل بالأعلى؟” مما يثير تساؤل هل هؤلاء منكرون لوجود إله، أم يتصورون وجود إله به نفس نقائصهم البشرية، أم يتأرجحون بين التصورين؟ ومؤخرًا ظهر فيلم أطفال Lego Movie بنفس المعني.

إن تصور إله به نفس نقائص البشر والظن بأنه يفعل في البشر ما يفعلونه ببعضهم البعض لأسباب تشبه أسباب البشر لهو قصور رهيب في الفهم، فالمسألة تشبه آليًا صنعه الإنسان، وذلك الآلي لن تسري عليه قوانين البشر، فلن يأكل ويشرب ويتكاثر وينام كما يفعل البشر، فله قوانين مختلفة وضعها الإنسان الذي صنعه، وقوانين الصانع تختلف عن قوانين المصنوع.

 

تصور إلهًا يعبث بأقدار البشر (كما حدث لترومان) لمتعته الشخصية فضلاً عن سذاجته، يخلي بذلك مسئولية الإنسان عن أفعاله، حيث يصبح الإنسان مجرد لعبة، لا كائن مستقل له إرادة حرة إن شاء فعل الخير أو الشر ويحاسب عليهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد