ثم عاد عثمان بن الحويرث من رحلته الطويلة إلى مكة، لقد اختار – خلال بحثه عن الحقيقة- المسيحية، ووجد فيها وسيلة للتقرب إلى الروم: سادة العصر وأعظم ممالك الأرض.

وسرعان ما التقطه رجال الإمبراطورية البيزنطية من رجال الكنيسة والدولة، فدفعوه ورفعوه إلى بلاط الإمبراطور، وزينوا له أن يستخدمه وسيلة لبسط نفوذ الروم على مكة، ومن ثم على سائر جزيرة العرب، ليوقف المد الفارسي الذي استطاع أن يسيطر على اليمن، وصار يناوش النفوذ الرومي في الحبشة؛ من أجل التحكم في طريق التجارة العالمية، وليتمكن من خنق الإمبراطورية البيزنطية.

وهكذا عاد عثمان بن الحويرث رسولاً من الروم إلى أهل مكة؛ ليكون ملكًا عليهم يحكمهم باسم الإمبراطور البيزنطـي.

ذهب عثمان بن الحويرث أولاً إلى ابن عمه ورقة بن نوفل؛ من أجل أن يطلب تأييده ومساندته في مسعاه، الذي يفضي في غايته إلى إخراج العرب من ظلمات الإشراك والوثنية، إلى ملكوت الرب الذي ترعاه الإمبراطورية البيزنطية. لقد كان ورقة صاحبًا لعثمان في بداية السفر من أجل البحث عن الحقيقة والوصول إلى الدين الحق، تلك الرحلة التي بدأت منذ ما يقارب العشرين عامًا. ولقد أظهر ورقة ميلاً إلى النصرانية؛ وذلك ما شجع عثمان إلى طلب مساعدته.

ولكن ورقة رفض مسايرة ابن عمه عثمان في هواه، وكانت مواجهته له حادة قاطعة كضربة بالسيف:

إنك تطلب ملك الدنيا وليس ملكوت الله، إن غايتك السلطة وليست الحقيقة، إنك تريد إشباع شهوات الجسد النهم، وليس أشواق الروح الباحث عن بارئه.

ولم ييأس عثمان بعد كلام ورقة، فأخذ يدعو الملأ من قريش للاجتماع في دار الندوة. واجتمع القوم فقال لهم عثمان بن الحويرث:

«يا قوم، قد علمتم أمانكم ببلاد ملك الروم، وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد مَلّكَني عليكم، وأنا ابن عمكم وأحدكم. وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ، والعكة من السمن والأوهاب، فأجمع ذلك كله، ثم أذهب إليه به، وإني أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه».

«القرظ: الشجر الذي تدبغ بورقه الجلود، العكة: وعاء جلدي صغير لجمع السمن».

يعرض عليهم ويُغريهم أن يقبلوه ملكًا، يحكمهم باسم ملك الروم، وأن يؤدوا له جزية قليلة مقابل أن يسمح لهم الروم ببقاء تجارتهم في الشام التي تقوم عليها حياتهم.

واستشاط سادة قريش غضبًا من هذا العرض الخسيس، الذي لا يرضاه قرشي أو عربي شريف لنفسه ولقومه. وتعالت أصواتهم كقذائف اللهب تنطلق من صدورهم التي ملأها الغضب.

ويلك أتريد أن تتملك علينا رغم أنوفنا
أتهددنا؟!
أتريد أن تجعلنا خدمًا عند الروم الغرباء؟!
بئس ما تدعونا إليه
تبًا لك ولأسيادك الروم.

وانفضوا من حوله وهم يتذمرون، تنبعث من عيونهم نظرات التهديد والانتقام لكرامتهم المهانة وشرفهم الجريح.

تركوه وحيدًا في دار الندوة التي خيم عليها الصمت، وملأها الرعب، وهو يفكر في مصيره، ويتدبر أمره بعد هذا الفشل الذريع لمهمته. ماذا سيقول للإمبراطور ملك الروم؟ بل كيف ينجو بحياته؟ إنه لا يستطيع أن يبقى في مكة، كما لا يجرؤ على العودة إلى قيصر حاملاً خيبة الأمل، يجر أذيال الفضيحة والعار.

وهداه عقله إلى أن يفر راجعًا إلى الغساسنة: العرب الذين يحكمون مملكة صغيرة تقبع تحت حذاء الإمبراطورية البيزنطية في جنوب الشام. لقد كانوا له القدوة التي رغب في احتذائها؛ من أجل بناء مملكة تجري في فلك الروم، وتقوم على رعاية مصالحهم وحمايتها.

غادر مكة، تاركًا أهلها يستعيدون – في تخوف وترقب– ذكرى حملة أبرهة الحبشي لهدم الكعبة وتنصير العرب؛ من أجل إخضاعهم لسلطة الروم، والحملات التبشيرية المتواترة التي ظلوا يرسلونها من الشام، ويتساءلون – في توتر وقلق– عن أحوالهم ومصيرهم في ظل هذا الصراع المحتدم منذ قرون بين الفرس والروم.

هذا الصراع الذي انتهى باستيلاء الفرس على اليمن – في جنوب جزيرة العرب لمواجهة النفوذ الرومي في الحبشة- وسيطرة الروم على الجانب الغربي من شمال الجزيرة العربية، عبر مملكة الغساسنة لمواجهة النفوذ الفارسي على الجانب الشرقي عبر مملكة الحيرة، وما يجاورها من القبائل العربية على شاطئ الخليج الفارسي، التي صار بعضها يدين بالمجوسية، وكلها بالولاء للجالس على عرش الأكاسرة.

كانت تلك الأسئلة ضمن ما يمور به صدر محمد، وهو يأخذ طريقه – من حين لآخر– إلى غار حراء، وقد تجاوز السابعة والثلاثين مقتربًا من الأربعين من عمره.

أما عثمان بن الحويرث فقد ذهب – في وفد من الغساسنة- للقاء قيصر الروم، الذي أمر بإغلاق الشام في وجه القوافل القرشية وأمر جنوده بإلقاء القبض على كل من يتجرأ على دخول البلاد الخاضعة لسلطانه.

وهكذا قطع الشريان الذي يمد مكة بالمال، وساءت أحوال قريش وحبس بعض رجالها في سجون الروم بأرض الغساسنة.

وكان لا بد أن يذهب وفد كبير حاشد من سادة قريش يحملون الهدايا الثمينة والأموال الكثيرة لفداء سجنائهم، ولاسترضاء الأمراء الغساسنة وإغرائهم بالتشفع لدى القيصر من أجل إعادة فتح الطريق إلى الشام، خاصة وأن خير التجارة يعود بالنفع على الجميع: قريش والغساسنة وسائر سكان الشام، والروم أنفسهم.

وقبل الغساسنة الهدايا وأخذوا الأموال وحرروا المحبوسين، وقاموا بالوساطة فعادت الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن
كان لا بد من الخلاص من عثمان بن الحويرث حتى لا يفضح الاتفاق الذي تم بين قريش والغساسنة – الذين كانوا يحرصون أشد الحرص على تجنب إغضاب الروم- فدُسَّ له السُّم في طعامه فمات غير مأسوف عليه من أحد.

*************

المشهد الأخير من «الطريق إلى غار حراء» والتي تقص سيرة النبي محمد في سياق رؤى واسعة للعصر الذي عاش فيه، وشاملة لمختلف أوجه الوجود الإنساني، في خضم ابتلائه من أجل اكتشاف ومعرفة حقيقة نفسه عبر تجارب الحياة بين الميلاد والموت.

كان عثمان بن الحويرث أحد قدوات النبي محمد الذين راقبهم في رحلتهم الطويلة من أجل البحث عن الحقيقة، بعيدًا عن ضلال قومه وجفائهم الروحي، أحد الثلاثة الغرباء الذي وضعهم محمد نصب عينيه «ورقة بن نوفل- زيد بن عمرو- عثمان بن الحويرث»، وقد ضاع الأخير مدهوسًا بين رحى البحث عن الحقيقة وطلب الملك به، ووقع أسير ملك الدنيا فلم تبق عليه، ومن مصيره تعلم محمد وراقب كيف تكون الرحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

انظر كتاب «الحضارة العربية القديمة» للأستاذ الدكتور/ محمد بيومي مهران: ص 504.
انظر مادة «قرظ» في لسان العرب ص3593.
العكة: وعاء صغير من الجلد، مستدير الشكل، اختص بجمع السمن فيه، انظر لسان العرب مادة «عكك» ص3059.
الخليج الفارسي: كان يسمى قديمًا بحر فارس، ويسميه العرب الخليج العربي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد