كلمة الحقيقة في اليونانية القديمة هى Alethea والمعنى الحرفي لها هو (عدم الإخفاء)، والذي يشير إلى أن الوصول للحقيقة مرهون بأن تكون واضحة لا يحجبها ساتر يخفي بعض أو كل تفاصيلها. لذلك فعندما تكون الحقيقة مخبأة وراء حجب وأسوار تحت مزاعم ومسميات مختلفة، ستصل لأيدينا معلومات تخالف الحقيقة بل وتتعارض معها كليًا. لذلك إذا حرصنا على وصول الحقيقة كاملة، فلابد من المحافظة عليها كما هى مهما كانت تلك الحقيقة قاسية، لكن الواقع يناقض ذلك لأسباب كثيرة، فبالرغم من قول البعض إن ضوء الحقيقة باهر تتلاشى بجانبه أي أضواء أخرى، لكن الأمر ليس بتلك السهولة وهذا الوضوح؛ فهناك من الأسباب ما يحجب أو يشتت ذلك الضوء، لذلك علينا الالتفات لبعض الأمور؛ لأن ما قد نظنه أنه حقيقة لا ريب فيها، قد تكون مجموعة من الأكاذيب.

نجد أن عددًا من الأمور العلمية التي عاشها وأقتنع بصحتها الأوائل لأجيال متعاقبة كمسلمات، أصبحت اليوم مجرد خرافات وأكاذيب، مثل مركزية الأرض، التي كانت يومًا ما حقيقة علمية لم يداخل الأوائل شك فيها على الإطلاق، وتوارثها الأبناء لأجيال عديدة، ورددتها الأغلبية كأنها حقيقة لا بديل عنها، حتى تأكدنا فيما بعد من خطأ تلك النظرية التي تبناها العالم القديم لقرون طويلة، وعرفنا أن تمسك الأوائل بفكرة مركزية الأرض كمفهوم حقيقي راسخ، والتي دفع من عارضها حينها حياته وحريته، كانت مجرد ترهات لا علاقة لها بالواقع.

لذلك إن بعض الحقائق، التي نعتقد رسوخها مثل الجبال الراسية من الموروث، ليس بالضرورة أن تكون صحيحة، بل يوجد من الموروث ما يخالف الحقيقة، بل يتعارض معها بشكل كبير، لذلك ليس علينا أن نردد أقاويل الآباء والأجداد دون روية ووعي ودون تمحيص، وهذا قد نجده في أعقد الأمور كختان الفتيات حتى أتفهها مثل: أن ضربات المقص في الهواء تجلب النحس لأهل البيت. ليس كل الموروث سيئًا بالطبع، لكن ليس لأنه موروث لابد أن يكون صحيحًا، أو حقيقيًا.

كما أنه حين سماعنا لأقاويل ما من جماعات نثق بها، تتكون لدينا قناعات مؤكدة أن ما يقوله أهل ثقتنا لابد وأن يكون هو الحقيقة، مما يجعلنا نسد أذننا عن كل ما يردده الآخرون حتى لو كان ما يصل لأسماعنا من أهل الثقة يخالف المنطق والعقل أو رؤيا العين، لكن لأن عقولنا مغلقة على الحقائق التي يرددها من نثق بهم دون غيرهم، لا ننتبه لمجرد فرضية خطأ تلك الأفكار أو الأقاويل. وبالتالي فنحن نضيع على أنفسنا أبواب كثيرة للمعرفة والحقائق سعيًا وراء سراب من المعلومات المضللة.

كما أن ترديد الأغلبية لحقيقة ما لن تجعلها شيئًا مؤكدًا، وليس من المحال خطأ الأغلبية في أمر من الأمور، وليس شرطًا طالما تعرض الأغلبية فكرة ما لابد من صحتها، بل ببعض من التمحيص والفحص قد يتضح لنا فساد بعض تلك الأقوال وأنها تخالف الحقيقة بشكل كبير.

ومما يزيد الأمر تعقيدًا أنه ليس من المستحيل تزييف الواقع الذي نشهده، فمن الممكن مغايرة حقيقة ثابتة عن طريق ترديد مجموعة من الأكاذيب والترويج لها حتى تصبح هى الشائعة والمؤكدة، وكل من يقول شيئًا مغايرًا أو مختلفًا تصيبه اللعنات ويصبح مكروهًا، فكما قال الكاتب جورج أورويل: كلما ازداد ابتعاد المجتمع عن الحقيقة، كلما ازدادت كراهيته لمن يتحدثون بها.

إن الحقيقة ليست شيئًا يسيرًا على النفس، خاصة لو وضعتنا في مواجهة مع أمور أصعب من احتمالنا، أو لو سببت رؤيتنا لأشخاص بصورة أخرى غير التي عرفناهم بها، قد نخدع حدسنا ونبرر أفعالًا وأقوالًا واضحة تحت مزاعم كثيرة، ونتلفع بألف غطاء لنغطي ونحجب معرفتنا بالحقيقة حتى نحافظ على أنفسنا من التعرض للألم لو انكشف الغطاء عن حقيقة أخرى، أو خوفًا من الخوض في حمل ذنبٍ لا تستطيع كواهلنا تحمله، كما قال ديستوفسكي: لا يريد الناس سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون رؤية أوهامهم تتحطم. إن انهيار صورة لشخص أو أمر ما ظننا كماله ليس بالأمر الهين، إنه كهول الرعب الذي تحدثه تداعي الأبنية العملاقة، وكلما تمسكنا بأهداب الوهم زادت صعوبة تقبلنا للحقيقة، كما أن الشروخ التي قد تصيبنا من كشف الكذبات المتتالية التي طالما آمنا بها ودافعنا عنها مؤلمة ومحطمة لنفسنا البشرية، التي من طبعها التمسك بما تعرف وتركن إلى ما تعتقد فيه.

وبالرغم من أنه ليس هناك حل شاف غير مواجهة أنفسنا وغيرنا بالحقيقة كما هى، لكن علينا فعل ذلك بدون أن يتهم بعضنا الآخر بالغفلة أو الانسياق وراء الخرافات أو الانحياز الأعمى؛ لأننا كلنا بشر نخطىء ونُصيب، وكثيرًا ما تكون الحقيقة ملتبسة والوصول لها معقد ومتشابك بمئات التفاصيل، فبالرغم من مظنة وضوحها إلا أن الحقيقة كثيرًا ما تكون مغيبة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد