لم أصدق يومًا كلامًا كالذي أقوله لنفسي كل صباح واقفًا أمام مرآتي. أنت لم ولن تمتلك الحقيقة بسعيك خلفها. لن تمتلك الحقيقة بالبحث عما لم يجده أحد ممن سبق، أو بالتأمل في الأرجاء المهجورة في الأطلال المتروكة للنسيان. الحقيقة لا توجد. الحقيقة وهم صنعه الإنسان ليبرر أفعاله ويخلق لنفسه منطلقًا يؤرخ به حدثا، أو فعلًا، أو جريمة. فالحقيقة التي وصل إليها الإنسان عبر التاريخ لم تكن يومًا ثابتة، وما قدسه البشر قرونًا خلت أصبح اليوم خرافة للمزاح والتندر. فالثبات والخلود لم يكونا يومًا سمات لشيء وجد في هذا العالم المتغير، الذي لطالما اتسم بديناميكية متغيرة، فكرية كانت أم عقائدية، بشرية كانت أم علمية. إن الثبات في جو متغير ومناخ متقلب هو أمر مفروغ من بطلانه، يكاد المرء يجزم أنه مستحيل. فما هي الحقيقة التي جعلت من الوجود البشري مسرحًا لصراعات وحروب تارة، وشاهدًا على هدن واتفاقات ومسلمات تارة أخرى؟ ألا تبدو الحقيقة محل تساؤل أبدي؟ أوليس الشك أقوم من الحقيقة؟ ألم يحرك الشك الحضارات إلى الأمام، بينما هوت الحقائق على أصرح الحضارات لترديها تواريخ وأطلالًا؟ ألم تقدنا الحقيقة بأشكالها إلى الفناء والهلاك، وسرعت بالخراب والدمار؟ ألا تبدو مفاهيم الحقيقة أبسط من أن تخلق فينا بلبلة أزلية؟ أم أن مصطلح الحقيقة يستفز غرائزنا التائقة إلى المجهول وعقلنا البشري الذي لطالما عودناه على التصديق والرضاء بالموجود؟

إن الجزء الباحث منا عن الحقيقة لا يعرف حقيقة وجوده ولا غاية فنائه. والمتجرد من كل دين ومعتقد وفكر سيدرك عاجلًا أم آجلًا أن الحقيقة خلقت استجابة لرغبات ملحة عند الإنسان، ولم تخلق لكونها حقيقة صالحة لكل زمان ومكان، وكل فئة، وكل فريق. إن لعنة الحقيقة والتعصب لها يصور عمق التناقض عند البشرية، خاصة في عصر الإنجازات التي سهلت صنع الحقيقة، والوصول إلى الحقيقة، وإيهام الناس بها وجعلهم يتصارعون، كل من أجل حقيقته، التي لو كانت حقيقة لما احتاجت للنار والحديد كي تشكل معالمها، وتفرض دعائمها، وتجثم على صدر العالم المختنق، بكثرة الحقائق.

إن التناقض الموجود على الساحة العالمية، وكثرة القتل والاقتتال، وتكاثر الحروب الفكرية والصراعات الأيديولوجية، جعل الشك مفرًّا لكل من صدع رأسه من كثرة الحقائق، ولم ير سبيلًا للنجاة من براثن الوهم سوى التسلح بالشك. وحتى الشك أضحى في بعض الأحيان مبالغًا فيه، وتجرد من كل موضوعية، ليخلق بذلك صراعًا جديدًا بين كل صاحب حقيقة، وكل مشكك فيها. فكوني أحمل «حقيقة» تخالف فكرك أصبح مبررًا للاقتتال والتحارب، وكوني لا أتبنى فكرًا أو معتقدًا، لكنني أشكك في ما تراه معصومًا من الخطأ، خول لك أن تستبيح دمي وتهتك عرضي، وتقع في مخالفة ما صورته لي مقدسًا، وحدًّا لا يجوز تعديه.

إن الحقيقة هي أكبر جرم اقترفه الإنسان في حق نفسه، أو بالأحرى، فإن الحقيقة هي التي أعلنت إعماء العقل للرشد، واستبداد هيكل الفكر بالمضمون. فالحقيقة هي أصل كل الحروب والمجازر، والحقيقة هي سلاح كل مستبد وطاغية.

إن الحقيقة هي المفهوم الذي لم يعرف له تفسير، أو قيمة ثابتة، والحقيقة هي التي قد تتشكل في أي شكل، وهي التي قد تأخذ شكل الوعاء الذي يحتويها. تمامًا مثلي أنا، كي لا أتهم غير نفسي بعدم امتلاك الحقيقة. أنا وعاء أنقلب على وجهي كلما حاول شيء ما أن يملأ فكري أو يسيطر على مداركي. فأنا يا سيدي لا أريد إلا أن أعكس نفسي، وأن أتفرد بفكرتي، وأن أواقع عقلي عله ينجب لي مولودًا جديدًا لن أسميه الحقيقة.

لكن هيهات، لسنا سوى امتداد لفكرة، ونتاج تلاقي وقائع وأحداث، خلقت فينا ما نسميه فكرًا ورأيًا ننسبه لأنفسنا، وندعي تفردنا به ووحدانية مضمونه. ولا نكتفي بتقديسه، بل ننزهه عن كل خطأ، ونعادي كل من خالفنا أو وقف في غير صفنا. إن الحقيقة هي أكبر جريمة اقترفتها الإنسانية في حق نفسها. فالحقيقة هي قدرة الإنسان على تأسيس سجن لا يستطيع العيش فيه، وخلق دين لا يستطيع الإيمان به، وكتابة قانون لا يقدر على احترامه. وما الحقيقة إلا مصدر قوة لمن يتحكم فيها، ومصدر تعاسة لمن يتعلق بها ويعلن الوفاء لها.

إن الحقيقة ستار يخفي قبح هذا العالم، ووهم ينسي الناس تعاسة الموجود، وعجز البشرية عن الإصلاح بالوسائل المتاحة. إن جمال الحقيقة يخفي أهوال الواقع، ويبرر للإنسان ما يفعله بأخيه الإنسان، ويرسم حدودًا لعقله، ويوجه نظره إلى ما لا يسمنه ولا يغنيه عن جوع.

اسأل نفسك عن حقيقتك، ستجيبك بأنك أقرب للعدم، وما وجودك إلا وهم صوره لك عقلك وأقنعك أن تلتزم بشروط الوجود فيه. ما وراء حقيقتك، هو فعلًا ما أنت عليه. هذه ليست حقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد