لم تكن مسألةُ الخلافِ بين علي بن أبِي طَالب ومعاوية بن أبي سفيان على شيءٍ واحد كما يتصوّر الكثير من النّاس، ينحسمُ فيه الصِّراع بانتصار هذا أو ذاك، ولذلك انقسَمَ الناس في الحُكم على المُخطئ بينهما، وهناك من اتَّهم علي رضي الله عنه بدفاعه عن قتلة عثمان رضي الله عنه وعَدمِ الاقتصاصِ له.
وسأعرضُ في هذه المقالة حقيقة الصراع بناء على رؤية عبّاس العقاد حول الموضوعِ التي أوردها في كتابه «عبقرية الإمام علي».
كان العقاد يرى أنّ الخلاف بين نظامَين متقابلين متنافسين لا يشتركان: أحدهما يتمرد ولا يستقر، والآخر يقبل الحكومة كما استجدت ويميل فيها إلى البقاء والاستقرار، وهذا يفسر انقسام الصحابة بين النظامين، فكان الزاهدون أمثال عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، وأبي موسى الأشعري في منظومة علي، وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه وبنو أمية، في المنظومة الأخرى.
أو هي كما يقول العقاد: «كانت صراعا بين الخلافة الدينية كما تمثّلت في علي بن أبِي طالب، والدولة الدنيوية كما تمثلت في معاوية بن أبي سفيان. وليس موضع الحسم فيها أن ينتصِر علي، فيحكُمُ في مكان معاوية، أو ينتصر معاوية فيحكم في مكان علي، بل موضع الحسم فيها مبادئ الحكم كيف تكون إذا تغلب واحد منهما على خصمه؟»
أتكون مبادئ الخلافة الدينية أو مبادئ الدولة الدنيوية؟
أتكون مبادئ الورع والزهد أو مبادئ الحياة على أساس الثروة الجديدة، كما توزعت بين الأمصار وتفرقت بين الأجناد والأعوان؟
فلو أن عليا ملك الشام ومصر والعراق والحجاز، لبقيت المشكلة حيث كانت، ولو ملك معاوية المدينة لبقية المشكلة أيضا، فهو صراع بين منكري البذخ والإسراف وبين متخذي الجواري والعبيد، وبمعنى أدق، صراع بين الملك وبين الخلافة.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.» رواه أحمد والبيهقي وصححه الألباني.
وللحديث شاهد عن سَفِينَةُ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْخِلاَفَةُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمّ قَالَ سَفِينَةُ: امْسِكْ عَلَيْكَ خِلاَفَةَ أَبي بَكْرٍ، ثُمّ قَالَ: وَخِلاَفةَ عُمَرَ وَخِلاَفَةَ عُثْمانَ، ثُمّ قَالَ لي: امسِكْ خِلاَفَةَ عَلِيّ قال: فَوَجَدْنَاهَا ثَلاَثِينَ سَنَةً. رواه أحمد وحسنه الأرناؤوط.
والمراقب لمجرى تحول الأحداث يجد أن خلافة معاوية بن أبي سفيان كانت بداية الملك العاض، وقد بدأت بوادر الخلاف بالظهور حقيقة في عهد عثمان رضي الله عنه، حيث أنكَرَ الناس البَذَخ الذي كان في بني أمية حول عثمان، وخاصة مروان بن الحكم، وقد زاره علي بن أبي طالب عثمان رضي الله عنه وحذَّره من المقربين له من بني أمية، وأنهم يستفزُّون الناس بأقوالهم وأفعالهم، وأن الناس غير راضية، وبذلك كانت بوادر الثورة واضحة عاجلا أو آجلا، ولم يستطع علي أن يفعل شيئا لإيقاف تمرُّد أغلب سكان المدينة على عثمان رضي الله عنه. واستغل بنو أمية قضية الدم لعدم مبايعة علي وإعلان الثورة ضده.
يقول العقاد : «فماذا صنع معاوية بقاتلي عثمان حين صار الملك إليه؟ ووجب عليه أن ينفذ العقاب الذي من أجله ثار واستباح القتال؟ أنه اتبع عليا فيما صنع، وأبى أن يذكر الثأر المقيم المقعد، وقد ذكروه به وألحوا في تذكيره».
بمعنى أنّه لو كانت الثورة كلُّها من أجل عثمان لما انتهت بهذا التَّسليم الهين، ولكان عذر علي في بداية المحنة أعظمُ حجَّة، وأحقَّ بالقَبُول.
فقد طالبوا عليا بالقصاص ولم يبايعوه، مع أنَّ القصاص لا يكون إلاَّ من ولي الأمر المعترفِ له بإقامةِ الحدود. وطالبُوه به ولم يعرفوا من القتلة ومن هو الذي يُؤخذُ بدم عثمان من القبائل أو الأفراد.
وقد تحدث الإمام علي يومًا عن القصاص من قتلة عثمان، فإذا بجيشٍ يبلغ عشرة آلاف يرفعون الرماح ويجهرون بأنهم (كلهم قتلة عثمان)! فماذا عساه يصنع رضي الله عنه!
ولو أنه كان يسعى للخلافة من أجل الحكم لما رضي بالتحكيم بينه وبين معاوية، والذي كان سببًا في ظهور الخوارج وتكفيرهم له رضي الله عنه.
لذلك حينما فهمت السيدة أمنا عائشة الأمر بعد خروجها للتهدئة بين الفريقين في موقعة الجمل، ولكن للأسف فقد استغل الخوارج والمنافقون أصحاب عبد الله بن سبأ، وأشعلوا فتيل الحرب بين الفريقين في الظلام، وقتلوا الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وحاولا النيل من السيدة عائشة رضي الله عنها لولا أنّ عليا وبعض أصحابه أحاطوا بجَمَلِها وحَمَوْها.
لقد خلق علي رضي الله عنه شجاعًا بالغًا في الشجاعة، وزاهدا عظيم الزهد، ودارسا محبا للحقيقة الدينية يتحراها حيث اهتدى إليها. فأي مصير لهذا الرجل غير الشهادة في زمن لم يعرف بطارئ من الطوارئ، كما عرف بالإقبال على الدنيا؟
فبعد أن هدأت حماسة الدعوة النبوية، وثابت طبائع البشر إلى أصلها، وتدفقت الأموال من الأمصار المفتوحة على نحو لم تعهده الجيرة العربية قط في تاريخها القديم، أقبل الناس على الدنيا وهرولوا إليها.
وإذا بخليفة جريء عليها زاهد فيها، يقف لهم في طريقها ويصدهم عنها، يقول العقاد: «وقد لزمته آية الشهادة في كل قسمة كتبت له، وكل حركة سعى إليها أو سعت إليه.. فمن آيات الشهادة أن يساق إلى الخلافة، ولا حيلة له في اجتنابها، ومن آيات الشهادة أن يساق إليها في ساعة الفصل بينها وبين الملك، ومن آيات الشهادة أن يبتلى بأنصاره أشد من بليته بأعدائه، ولا حيلة له في تبديل أولئك الأنصار، ومن آيات الشهادة ألا تغره الدنيا، وقد غرت حوله كل إنسان، فهو شهيد، شهيد شهيد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد