بين مسار الثورة التونسية والثورة المصرية قواسم مشتركة وخطوط مفترقة وطرق متوازية، لم تكن تلك الثورات في بداياتها تحركات شعبية للتخلص من الفساد والتحرر والتغيير كانت هناك خطة أمريكية لإعادة تقسيم المنطقة وتجزئتها وتقزيمها وتفتيت المفتت وتجزئة المجزء بصورة مختلفة تمامًا عن سايكس وبيكو تقسيم الدول العربية والإجهاز على ما تبقى من أصوات تعارض التوسع الصهيوأمريكي في المنطقة العربية.

انتهت مهمة كل القيادات العربية العجوزة وانتهى دورهم وقد حان وقت رحيلهم حتى يعاد ترسيم الجغرافيا من جديد.

الثورة في تونس كانت بداية الفوضى الخلاقة لكن الشعب التونسي استغل الفرصة لتغيير مسارها لصالحه، كان من عوامل نجاح الثورة في تونس انحياز الشرطة للشعب وعدم استخدام القمع ضد المتظاهرين اشتبكت الشرطة مع أحد أفرع الجيش التونسي الذي كان منحازًا للرئيس فتراجعت قيادات الجيش وأخبرت الرئيس التونسي أنه لا يمكن حمايته وعليه المغادرة فورًا، كانت كلمته الخالدة (فهمتكم فهمتكم) وغادر الرئيس ليترك المجال للقوى السياسية بين شد وجذب.

كانت حركة النهضة حاضرة بقوة في الميدان وعلى الجميع أن يتخطى كل الخلافات من أجل العبور الهادئ نحو التغيير المتدرج، وكان الصراع بين حزب نداء تونس والنهضة قويًا ومتشابكًا، تحركت قيادات النهضة بحرفية شديدة، حتى ساد نوع من السخط العام حول سياستها المتراجعة والانهزامية والتفريط في نظر البعض، لكن تبين من الأحداث أن للنهضة نظرة مستقبلية تخطت كل توقعات المتعجلين للتغيير.

ورغم نجاحات النهضة في الانتخابات إلا أنها تراجعت عن تصدر المشهد السياسي لتتحكم ولا تحكم وفي كل مرة قرارات مخيبة للآمال من جانب حزب النهضة، لكنها كانت تحركات تكتيكية لامتصاص جرعة الديموقراطية والقدرة على استيعاب الآخر تدريجيًا، حتى ينضج الجميع ويتخطى اختبار الديموقراطية التي هبطت عليهم من دون مقدمات والاستفادة منها لصالح الشعب التونسي.

ومما جعل المسارات تسير في الاتجاه الصحيح أولا انحياز الشرطة للشعب ثم انضمام جزء من الجيش للثوار، عدم وجود إمبراطوريات اقتصادية داخل الجيش، ابتعاد تونس جغرافيا عن بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي بما لايشكل خطرًا على مخطط الفوضى الخلاقة.

استيعاب القوى السياسية بعضها البعض الآخر رغم عنف الصراع إعطاء الفرصة كاملة لجميع الأحزاب السياسية في المشاركة في المرحلة الانتقالية، والذي تكشفت معه قدرات الأحزاب وإمكانياتها التي تؤهلها للاستمرارية، تفهم حزب النهضة واستيعابه المتدرج للديموقراطية وعدم الدخول في صراعات مذهبية تستنفذ قدراتهم وتشتت جهودهم، اختفاء فزاعة الإسلام السياسي من المشهد التونسي بفضل قدرة حزب النهضة على إقناع الناخب والنخب السياسية بتقديم برنامجه المتدرج في التغيير.

انطلقت الانتخابات الرئاسية التونسية ببروز شخصية محترمة مستقلة غير تابعة لأحزاب أو انتماء أيدولوجي، ليقود تونس إلى تخطي مرحلة الثورة وانتقال سلمي للحكم عبر صناديق انتخابية.

ما حدث في تونس لم يحدث في مصر لاعتبارات أهمها دور مصر الرئيسي والمحوري في الصراع العربي الإسرائيلي، مصر هي أحد جوار الكيان الصهيوني وهي العمق الاستراتيجي للكيان رفض كل الشخصيات المستقلة بتحمل مسئولية الترشح لرئاسة الجمهورية حتى يتم استيعاب كل الأطياف السياسية المصرية من خلاله الفساد المالي وتحول الجيش المصري إلى إمبراطورية اقتصادية مرعبة ابتلعت الدولة المصرية من خلال السيطرة على كل القطاعات الاقتصادية بما يستحيل معه إمكانية إقصاء هؤلاء عن المشهد السياسي بسهولة.

تدخل قوى عربية ليس من مصلحتها الانتقال السلمي للسلطة إلى سلطة مدنية منتخبة من الشعب المصري والخوف من انتقال عدوى التغيير والثورة إلى الخليج بعد نجاحها في مصر، كانت رؤية الإخوان المسلمين في المشاركة في الثورة المصرية هو دفع الأحداث لصالح الشعب المصري نحو التغيير عبر صناديق الانتخابات مهما كانت الأخطاء التي يمكن ارتكابها في سبيل الوصول إلى صندوق الانتخابات، لأنها ستكون الضمانة الوحيدة للانتقال السلمي عبر اختيارات شعبية.

سار حزب الحرية والعدالة نفس مسار حزب النهضة، وهو التراجع عن الترشح للانتخابات الرئاسية مع التشاركية في تشكيل الحكومة ومجلس المحافظين رغم تمكن الإخوان المسلمين من التشكيل المنفرد للحكومة، لكن الوقائع والمتغيرات والتحديات كانت على عكس رغبة الإخوان المسلمين في المسار السلمي نحو التغيير.

اختلفت الأوضاع تمامًا وتغير السيناريو من خلال الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية التي ترى أن التغيير ليس في صالحها تمامًا ويتعارض مع توسعاتها وأطماعها.

التراجع من جهة الإخوان المسلمين في تلك المرحلة كان سيؤدي إلى نتائج كارثية بعودة النظام السابق بكل مكوناته وأدواته بعد تخلي كل القوى السياسية عن واجبها وتقديم الإخوان المسلمين في مواجهة الصراع وحدهم أوجب على الإخوان المسلمين استكمال المواجهة حتى نهايتها نتج عن تلك المواجهة الكشف عن كل الوجوه الحقيقية وحجم الفساد المرعب في كل مؤسسات الدولة المصرية والأحزاب السياسية.

حجم الفساد وانهيارات المؤسسات والاستيلاء عليها من الجيش المصري وضع الجميع عند مسئوليته ورغم التضحيات الكبيرة والقهر والظلم إلا أنه في مقابل انتزاع الحرية كاملة لا يزال قليلا أمام كل تلك التحديات. إننا في مصر نواجه منظومة فساد محلية وإقليمية ودولية وجب علينا أن نستعيد قراءة المشهد السياسي من جديد من أجل الوقوف على كيفية مواجهة كل تلك الأطراف والتعامل معها لتغيير الواقع المتأزم.

لا بد من تفتيت تلك القوى التي اجتمعت على حرمان الشعب المصري من اختياراته عبر الديموقراطية التي يتغنى بها كل الأطراف الداعمة للانقلاب والمؤيدة له تتسارع الأحداث نحو التغيير، لكنها تحتاج إلى بعض الصبر ومزيدا من التخطيط وإن غدا لناظره لقريب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد