ما حدث في تونس مؤخرًا حول الانتخابات الرئاسية والتي شهدت نجاحًا كبيرًا، سواء على المستوى التنظيمي أو على المستوى المشاركاتي يعتبر نجاحًا بالمقاييس الدولية للانتخابات الديمقراطية في الدول الغربية، رغم أن نسبة المشاركة تعتبر مقبولة وفي حدود المعايير والنسب الدولية، فتونس استطاعت أن تنظم هذه الاستحقاقات بكل شفافية وديمقراطية، خاصة أن هذه الانتخابات شهدت مناظرات بين المترشحين في الدورين؛ مما سمح للمواطن التونسي أن يقيم البرامج والأشخاص بشكل يتناسب وطموحاته المستقبلية وقناعاته السياسية، وهنا لاحظنا عمل الوعي لدى المواطن التونسي وغياب عمليات الاصطفاف والتخوين.

يمكن أن نستعرض أهم المحطات الانتخابية في تونس كانت البداية مع انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، حيث فاز «حزب النهضة» بـ89 مقعدًا، ثم جاءت انتخابات 26 أكتوبر 2014 من أجل اختيار أعضاء مجلس الشعب، حيث فاز حزب نداء تونس 86 مقعدًا، والنهضة ثانيًا وهذه النتائج تبين عملية إرساء التجربة الديمقراطية بعيدًا عن التزوير حيث تراجعت النهضة للمرتبة الثانية وفشلها في اقناع الناخب التونسي للتصويت عليها وفي 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 تم اجراء انتخابات رئاسية لأول مرة، حيث تم إجراؤها على دورتين، حيث فاز بها السبسي على حساب المرزوقي، وهذا مؤشر آخر على الفعل الديمقراطي والتغيير، ثم الانتخابات الأخيرة كما شهدناها، فبالتالي نجد أن النتيجة التي وصلت إليها تونس الآن هي نتيجة لعملية التحول الديمقراطي منذ 2011 واتفاق الأطراف السياسية على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة كما ساهم في إنجاح التجربة الديمقراطية بتونس هي خصوصية المجتمع التونسي الذي يتميز بالتجانس الهوياتي وعدم الاحتكام للمؤسسة العسكرية والوعي الوطني والسياسي لدى المواطن التونسي مع وجود عامل مهم هو ضعف التأثير الخارجي في الأداء السياسي الداخلي، خاصة أن تونس ليست دولة لها إمكانيات اقتصادية باطنية تجعلها نقطة اهتمام من طرف القوى الكبرى رغم الأهمية الجيو إستراتيجية.

ويمكن القول إن الحالة التونسية تحولات من حيث المقترحات، حيث نشهد أن الناخب التونسي حاول اختيار أو تجريب البرامج والتيارات السياسية التي يمكنها أن تقدم حلولًا لمشاكله اليومية، ومن جهة أخرى نجد أن المواطن التونسي جرب التيار اليساري والمتمثل في المرزوقي، والذي لم يستطع أن يحقق طموح المواطن التونسي، وبعدها اختار التيار اليميني والمتمثل في السبسي، وأيضًا لم يكن وفق طموحات المواطن التونسي وبقاء التيار الإسلامي الحاسم في عمية توجيه المواطن التونسي خاصة في الانتخابات التشريعية والبلدية، وبالتالي هذه الانتخابات تأتي في اطار التحولات السياسية التي تعرفها تونس منذ 2011، وبالتالي هذه الانتخابات الرئاسية هي تتويج للتحولات السياسية منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011 من أجل تحديد المجلس التأسيسي، والتي عرفت نجاحًا، وهذه الانتخابات هي تتويج لهذا المسار الديمقراطي بتونس.

أما من ناحية التنظيم والظروف فنجد أن العنف في الانتخابات التونسية الأخيرة لم يكن موجودًا، رغم أن الانتخابات السابقة شهدت تهديدات أمنية، وجرت في ظل تغطية أمنية كثيفة من جانب العنف بين مكونات المجتمع التونسي غير قائمة، وهذا يعود للوعي الوطني لدى المواطن التونسي والأمن أهم شروط أي نشاط بشري وانساني والممارسة الديمقراطية التي تتم في جو من العنف والإقصاء تؤثر بشكل كبير على توجهات المواطن وخياراته وقد تدفع للعزوف الانتخابي، وهنا لا بد من توفر الأمن الداخلي المجتمعي والمقصود به غياب التهديد بين الأطراف السياسية وبين أفراد المجتمع القائم على الهوية أو القناعات السياسية أو الحزبية، وأيضًا غياب التهديد الإرهابي داخليًا وخارجيًا، والذي يعتبر أهم شروط الممارسة الديمقراطية، وبالتالي الأمن هو ركن أساسي في الممارسة الديمقراطية، وهذا ما تم وتوفر في الحالة التونسية.

كما نجد البرامج التي قدمت من طرف المترشحين للمواطن التونسي تستهدف في الأساس إلى تحسين الوضع العام والمستوى المعيشي للمواطن التونسي، خاصة أنه يعيش ظروفًا اقتصادية صعبة في ظل بيئة مضطربة إقليميًا، وبالتالي كل البرامج كانت تصب في اتجاه واحد، ولكن الاختلاف كان في الكيفيات والآليات التي يتبنها كل طرف لتحقيق هذه الأهداف، ونجد أن من نشط الحملة الانتخابية للمترشح قيس سعيد هم الطلبة، وبالتالي هذه الفئة ساهمت في حسم الأمور بشكل كبير، خاصة أن هذا الأخير لم ينشط أي حملة انتخابية بمفهومها المعتاد، بل كان الفعل السياسي للنخبة التونسية هو الحاسم في عملية ترشيح كفة المترشح قيس سعيد لأنها تملك الإدراك للعملية السياسية ككل والتي يجب أن تمر عبر آليات علمية وعملية، وأيضًا ضرورة الاستثمار في العنصر البشري وتطويره، وهذا ما ركز عليه قيس سعيد ودعمته النخب التي ترى في تونس الغد أمل التغير.

و نأتي إلى سؤال أساسي هل يمكن تعميم التجربة التونسية على المنطقة العربية نجد أنه مما سبق وما تطرقنا إليه سابقًا أن تونس لم تمتلك اصطفافًا سياسيًا بمفهومه الإقصائي كما أن المؤسسة العسكرية لم تكن فاعلًا مؤثرًا في مسار الانتخابات واختيار المرشحين، بالإضافة إلى مستوى الوعي الوطني وتجانس التكوين المجتمعي التونسي كل هذه العوامل ساهمت في نجاح التجربة التونسية إلى جانب ضعف التأثير العامل الخارجي، وهنا نجد أن تعميم التجربة ممكن من حيث الآليات، لكن ليس في الجزئيات والشكل العام، فكل دولة ومجتمع له خصوصيته، حتى وإن كانت عربية فالأصل في خصوصيات المجتمع والحالة الاقتصادية والتاريخ السياسي والفواعل السياسية المؤثرة في المشهد السياسي، فالحالة السودانية مثلًا تدخل الجيش لحسم الحالة في ظل غياب معارضة حقيقية والحالة الجزائرية لا يمكن أن نسقط عليها الحالة التونسية أو السودانية لخصوصية الحالة، وكذا دول الخليج، وهكذا فنجاح الحالة التونسية مرتبط بخصوصية وعوامل نجاح تونس منفردة، وليست معممة، وهذا لا يعني أن الحالة التونسية أنموذج يحذى به للترسيخ الديمقراطي واحترام مبدأ التداول السلمي على السلطة التي تتطلب الوقت والوعي والاستمرارية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد