مثلت حالة الضعف والوهن التي عرفتها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أواخر القرن التاسع عشر، فرصة أمام المستعمر لينفرد بالشعوب، وينهب خيرات أوطاننا، وإن تصدت نخبة من الشعب لهذا الاستعمار، فإنه انتصر وحقق أهدافه بسبب مرض أساسي أصاب الأمة، أطلق عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي مصطلح «القابلية للاستعمار»، إذ قال: «إن الاستعمار قد جاء إلى العالم الإسلامي نتيجة مرض أساسي عندنا، هو القابلية للاستعمار، وهو نتيجة الصراع الفكري الذي خطط له الاستعمار وأحسن إحكام الخطة، لقد سلط الاستعمار الأضواء على المشكلات الهامشية، بينما ترك في الظلام كل رؤية منهجية سليمة، تفتح الطريق أمام حركة التاريخ».

لم تكن تونس حينها استثناء عن حال العرب والمسلمين لتعرف احتلالاً فرنسيًّا دام 75 سنة، لم تسلم فرنسا حقيقة بالاستقلال التام إلى مستعمراتها، وواصلت دور الوصاية عليها، وعلى مقدراتها، وكذلك التدخل في شؤونها بأشكال مختلفة طيلة فترة ما بعد الاستقلال.

وإن حاول التونسيون مواصلة معركة التحرر الوطني، فإن إرادة المستعمر واستبداد الحكام،كان أقوى من إرادتهم في تحقيق استقلال القرار الوطني.

ساهم النظام العالمي الجديد في تكريس هيمنة القوى الكبرى الاستعمارية على دول العالم الثالث، فبرزت تكتلات اقتصادية وسياسية لعل من أبرزها الاتحاد الأوروبي، وانخرطت دول العالم الثالث في مسار تبعية اقتصادية ثقافية وسياسية. تبحث هذه التكتلات، في ظل صراع السيطرة على السوق، عن كل أشكال توظيف «الدول الضعيفة»، وخاصة مستعمراتها القديمة في هذه المعارك، لتزيد من ضعفها وارتهان قرارها، وقد مثلت العولمة تكريسًا لهذه التبعية لتجد دول العالم الثالث نفسها مجبرة على الاندماج في هذه «القرية» دون أن يكون لها أدنى مقومات المناعة الذاتية لحماية خصوصيات شعوبها وتأمين دعائم عزتها.

جاءت ثورة الحرية والكرامة في تونس لتمثل فرصة تحقيق ما ناضل من أجله جحافل من أحرار الشعب في فرض معركة التحرر الوطني، انتصر التونسيون في جزء من هذه المعركة، من خلال فرض الحرية والديمقراطية، إلا أن معركة الكرامة والعدالة الاجتماعية، التي من مقوماتها بناء اقتصاد وطني قوي، وتحقيق الأمن الغذائي، ما زالت مستمرة.

يكافح المزارع التونسي للقيام بدوره الوطني، كما دأب على ذلك في مختلف المراحل التي عرفتها البلاد، ويسعى ليكون في مقدمة معركة التحرر الوطني منافحًا عن كرامة الشعب وتحقيق أمنه الغذائي، وبالتالي استقلاليته وسيادة قراره، وقد كان هذا القطاع خلال السنوات الثماني الماضية قارب النجاة الذي استنجدت به تونس لحظة الأزمات، وحال دونها ودون الانهيار.

يمثل المزارعون في تونس قوة إنتاجية كبيرة؛ إذ بلغ عددهم مليونًا، بين مزارع وبحار، كما يلعب القطاع الزراعي دورًا رياديًّا في الاقتصاد الوطني، إذ يساهم بأكثر من 10% من نسبة الداخلي الخام، ويشغل قرابة 20% من النشيطين، كما وفر في سنة 2018 للميزان التجاري 138 مليون دينار، ومثلت قيمة صادرات المنتجات الزراعية 13% من جملة صادرات تونس.

أمام هذا الدور الإيجابي للقطاع الفلاحي، أقر مختلف الفاعلين في البلاد بأن «الزراعة هي الحل»، رفعت كذلك شعارات دعم الزراعة وإسناد المزارعين، شعارات للأسف لم تغادر الأوراق، التي رقنت عليها، ولم تتجاوز الحناجر التي هتفت بها، إذ يعيش القطاع تحت وطأة التهميش، بما تسبب في تراجع الإنتاجية، وتراكم مشاكل المديونية، إذ يعاني أكثر من 70 ألف مزارع من المديونية حسب أرقام الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، يعد 85% منهم من صغار المزارعين، أي لا تتجاوز قيمة دين الفرد منهم 3 آلاف دولار.

كما تسبب التهميش أيضًا في ارتفاع كلفة الإنتاج، وفي ارتفاع خسائر المزارعين، وتواصل نزيف تركهم لهذا القطاع وهجر أراضيهم.

لم تتوقف السلطة عند تهميش هذا القطاع وضرب مقومات نجاحه في التموقع المناسب في اقتصاد البلاد، حتى يساهم في تنميتها وتوفير العيش الكريم لأفرادها، بل تعدت ذلك إلى مزيد من محاصرة ما تبقى من المنتمين إليه بقوانين تزيد من معاناته، آخرها قانون السلامة الصحية والغذائية، وإن كان مبدأ تحقيق السلامة الغذائية ومقاومة الإرهاب الغذائي ما يفرضه من إجراءات ومعايير، مبدأ متفق عليه بالإجماع لما يحققه من تحسين جودة المنتجات التونسية، ورفع قدرته التنافسية، إلا أن ربط الهدف من إقرار هذا القانون بملائمة القوانين الأوروبية، وبعيدًا عن تأويل خلفية ذلك، ضرب للمزارعين، إذ إن الملائمة مع القوانين الأوروبية، يستوجب ارتفاع تكلفة الإنتاج وفرض معايير لا تتلاءم وقدرة المزارعين التونسيين، الذي يعد أكثر من 80% منهم صغار الفلاحين؛ أي تبلغ المساحات العائدة للفرد منهم بالتصرف أقل من 20 هكتارًا، ولا تتجاوز دخولهم السنوية ألفي دولار.

عدم استثناء المزارعين من الترفيع من نسبة الفائدة المديرية التي أقرها مؤخرًا البنك المركزي، ضرب آخر من ضروب الانفصام الذي تعيشه الحكومة، حيث مطالبة المزارع الرازخ تحت صعوبات كبيرة بالترفيع في الإنتاج للحد من انخرام الميزان التجاري، حتمًا لا يكون في الترفيع من نسبة الفائدة المديرية، وإنما في العكس تمامًا.

من أشكال تهميش القطاع الزراعي الأخرى التي قد تؤدي إلى القضاء على المنتج التونسي، هي استماتة بعض ممثلي الحكومة في دفع التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، حول اتفاقية التبادل الحر والمباشر، بما تمثله من مخاطر على المزارع، إلى أقصاه دون استشارة معمقة وعقلانية مع ممثلي المزارعين ورسم استراتيجية تأهيل وطنية للقطاع، إذ أكد المكتب التنفيذي للمنظمة الفلاحية أكثر من مرة أن الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري مغيب على جلسات التفاوض، كما أنه غير مطلع عن نتائجها.

تهدد التغييرات المناخية الطارئة على العالم – في ظل غياب استراتيجيات وطنية لتوقي مخاطرها- القطاع الزراعي بشكل واضح، إذ تضرر المزارعين في السنوات الأخيرة من الجفاف في مرحلة أولى ثم من الفيضانات في مرحلة أخرى، بالإضافة إلى انتشار الأمراض التي مست الأشجار والنباتات، وكذلك الحيوانات، وإن أقرت الحكومة صندوقًا لتعويض المتضررين سمته صندوق الجوائح، فإن معايير إسناد التعويضات وتوقيت إسنادها، بالإضافة إلى طريقة تمويل هذا الصندوق رافقه لغط كبير.

إن الزراعة قطاع حيوي بالنسبة لتونس والتونسيين، في تهميشه مس للأمن القومي للبلاد، وفي دعمه مدخل من مداخل تحقيق التوازن في الميزان التجاري، وضمان لتحقيق الأمن الغذائي، وبناء اقتصاد وطني قوي، إذ لا خيار لتونس للخلاص من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية إلا بتأهيل المزارعين ودعمهم دعمًا حقيقيًّا لا صوريًّا، وذلك عبر إجراءات تشجيعية تميز القطاع تمييزًا إيجابيًّا، وتحميه من رياح الاستعمار الحديث؛ حتى يكون على مدى قريب ومتوسط أكثر قدرة على الانفتاح على كل الأسواق العالمية، والمنافسة مع مختلف المنتجين، أيضًا يكون دعم المزارعين عبر العمل على القرارات واستراتيجيات وطنية خاصة بتطوير منظومات الإنتاج وضمان استدامة القطاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد