تعيش تونس اليوم مخاضًا قانونيًّا وسياسيًّا نتيجة ما تعرضت له في الآونة الأخيرة من أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة كان وقعها صادمًا على الشعب التونسي؛ إذ تكرر المشهد ذاته؛ جموع من الشباب والكهول في مسيرات غاضبة بعضها سلمية وأخرى كان نتاجها الحرق والتخريب، ولكن رغم تكرر المشهد، فإن المطالب قد تغيرت فالشعب التونسي لم يطالب بالحرية له بل طالب بحل البرلمان؛ ذلك البرلمان الذي انتخبه الشعب بملء إرادته معتقدًا أنه هو السبب المباشر في الوضع الذي تعيشه البلاد والسؤال هنا: هل وصل الشعب التونسي لدرجة من المعرفة تمكنه من إدراك السبب الرئيس للعجز الاقتصادي للبلاد وتجعله يطالب بحل البرلمان خاصةً وأن هذه التقنية جديدة جاء بها دستور 2014 ؟

تعرض القنوات بثًّا مباشرًا لما يحصل في المجلس من شتم وتبادل للكمات إما داخل المجلس أو خارجه كما تنقل وسائل التواصل الاجتماعي مايحصل في بهو البرلمان بين النواب وتكاد تكون جلسات التصويت على القوانين حلبة نزال بين المعارضة ونواب الحزب الحاكم هذه المشاهد التي نراها في البرلمان التونسي، لا تختلف على المشاهد التي نجدها في باقي الدول التي تعتمد النظام البرلماني أو المختلط؛ فأينما كان التعدد وجد الخلاف.. لكن ما يختلف بين هذه الدول والبلاد التونسية هو إرادة الشعب؛ ففي باقي الدول تنحصر إرادة الشعب في القوانين وانتخاب من ينوبها في الحكم؛ أما في البلاد التونسية، فلم يعد الشعب يثق في مَن انتخبه، ولم يعد القانون تمثيلًا لإرادة الشعب؛ بل أصبحت إرادة الشعب تسترجع في الشوارع حتى وإن خالفت جميع القوانين. لقد اختلفت المعادلة إذ إن ما عددناه حاميًا للشعب وتجسيدًا لإرادته «القانون» أضحى سببًا في تكبيل أيادي الشعب وانقلب سلاحًا ضده؛ فالدستور الذي يعد أعلى تشريع في الهرم القانوني وقع تأويل أحكامه وبطريقة تفرغه من محتواه؛ فالرئيس المنتخب من الشعب والذي حظى بنسبة عالية من الأصوات في الانتخابات، استجاب لمطالب شعبه وأصدر قرارات بتجميد أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وأقال رئيس الحكومة؛ مستندًا في ذلك للفصل 80 من الدستور، ولكن بالعودة لأحكام هذا الفصل لانجد تبريرًا قانونيًّا، لما فعله رئيس الجمهورية، ولكن نجد مبررًا شعبيًّا يرضى بمخالفة الدستور في سبيل إيجاد حل للأزمة القائمة، والرئيس التونسي يجد نفسه أمام شرعية القانون ومشروعية المطالب، فلا يقدر على إيجاد نصوص تجعل من المطالب شرعية، ولا يجد مانعّا  من الانزلاق للمطالب، وهنا نجد قوانين تُنتهك باسم المشروعية ومشروعية تقضي على إرادة الشعب، فالسؤال هنا ألا تعد القوانين إرادة للشعب؟ هل شعب البارحة الذي نادى بالدستور وسعى لصياغته ليس نفسه شعب اليوم؟ وهل تبرير مخالفة القانون من قِبل رئيس الجمهورية بفضل مشروعية المطالب «الجمهور عايز كدا» سيبقى مبررًا طيلة حكم الرئيس وسيسرى على كل قراراته؟ وهل ستصبح رغبة الشعب وإرادته ينادى بها في الشوارع وتلغى القوانين؟ فما الحاجة لحبر على ورق إن كان التطبيق منقضيًا؟ هل من العدالة الحكم بما يقال أم أننا سننجر نحو القصاص؟

يوجد تخوفات من أن تستغل هذه المرحلة التي يمر بها الشعب التونسي و«يضحك على الذقون» ويتحول هذا السلاح الذي قدمه الشعب للرئيس سلاحًا ضده؛ فطبيعة القرارات التي اتخذها رئيس الدولة توحي بالحكم الانفرادي؛ فقد أعلن توليه للسلطة التنفيذية، وتعيين رئيس للحكومة يكون مسؤولًا أمامه مع تجميد أعمال البرلمان، وتوليه تشريع القوانين عن طريق المراسيم مع سهره على النيابة العمومية، لكشف الفساد هذه القرارات جعلت من الرئيس جامعًا بين السلطات الثلاث ومحتكرًا لباقي صلاحياته الشرعية رئيسًا للجمهورية؛ ذلك ما خلق تخوفات ممن يغار على الحرية التي كانت مطلب الشعب التونسي في ثورة 2011، وممن عاش الدكتاتورية ولا يتحمل العودة إليها.

إذا نظرنا لما حصل بوجهة نظر قانونية، سنجد ما يحصل تجاوزًا القوانين، وخرقًا لها، أما إذا نظرنا من وجهة نظر المصلحة العامة، سنجد أن خيار الشعب هو الرقابة، فكما سعى لضرب الشرعية بالمشروعية عليه السهر على صون الحرية فكل المطالب التي نادى بها الشعب لا قيمة لها البتة إذا فقد المطلب الرئيسي الحرية فلا يريد الشعب أن يعيش السيناريو نفسه مرتين، ولا يريد أن يقوم بخطوة للوراء وينسى أنه نادى يومًا في شوارع مهد الثورة «خبز وماء وبن علي لا»، لا يجب أن يتناسى الشعب التونسي بسبب جوعه اليوم قيمة الحرية التي نادى بها، ولا نريد أن نخير بين لقمة الخبز والحرية مرةً ثانية، فالشعب التونسي جاع ونادى بالخبز وعطش فنادى بالحرية وبكليهما يعيش.

لا يمكن التغافل عن الفساد الذي نخر البلاد منذ بداية الفترة النيابية، ولا يمكن إنكار فشل الأحزاب في إدارة الدولة فلا التوافقات ولا الخصومات كانت الحل للمشكل الذي تعيشه البلاد، بل كان السبب الحقيقي للمشكل، فقد تزايد الفساد وتضاعف العجز الاقتصادي بسبب التجاذبات السياسية فطبيعة النظام تفرض على الحزب الحاكم الائتلافات حتى أضحى المواطن عاجزًا عن أداء واجبه الرقابي، فالجميع في الحكم ولا يوجد مسؤول، هذا التشتت جعل من المشهد السياسي ضبابيًّا ومنهزمًا، ووجد الشعب نفسه ضحية لهذا النظام، فعاش الجوع وعانى شبابه من البطالة، وتولدت الضغينة في قلبه ولم يجد من يحاسب أو كيف يحاسب.

شخص منتخب من الشعب لم يخن الأمانة، ونادى في العديد من المناسبات بكشف ملفات الفساد يخرج عن صمته ويداوي سبب الضغينة فيضع أمام الشعب ضالته ويتولى هو الحساب.

زغردات في أروقة البلاد وصوت الجماهير تعلو فرحة بالانتصار، دموع ذرفت وحناجر بحت من الفرح، عقول عميت من الفرح وقلوب أخلجت وآمال رسمت من جديد.

أمكن للتونسيين كبح جماح من اعتقدوا أنه سبب مشاكلهم، ووجدوا من يحاسبونه. لأول مرة تسلم المشعل للشعب حتى يحاسب الفاسدين، وكأن المشهد نفسه قد صور من جديد واسترجع الشعب التونسي حنينه وعطشه للانتقام فإن فشل في المرة الفارطة في التشفي من حاكمه بسبب فراره خارج البلاد التونسية فاليوم غريمه أمامه. لا تنصت في الشوارع إلا لكلمات مليئة بالحقد والغيظ، ولا تستخدم في التدوينات في وسائل التواصل الاجتماعي غير معاجم الحرق والذبح والخيانة والموت، معاجم توحي بتصميم التونسيين على العقاب، ولكن السؤال الذي شغل أذهان الكثيرين: هل سيقدر الشعب على الحكم وتسيير إرادته بالعدل مع هذا الكم من الحقد؟ أيقدر الشعب باختلاف أطيافه وفئاته من الحكم بالعدل؟ هل سيعاقب الحزب الحاكم اليوم على تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي للدولة طيلة حكمه فقط؟ أم أن شعلة حقد التونسيين على بن علي واستبداده ستحرق عقول التونسيين وتنسيهم العدالة؟

إن نظام الحكم يحتم على الحزب حائز أعلى الأصوات في الانتخابات التشريعية أن يترأس البرلمان ويحظى بمكانة حسب عدد نوابه، ولكن ذلك لا يعني استئثاره بالحكم، فالعديد من الأحزاب بمختلف أطيافها تشغل مقاعد في البرلمان، منها من اختار المعارضة، ومنها من اختار المساندة، ونتيجة تعدد الأحزاب تشكلت العديد من الخصومات وأصبح البرلمان غير قادر على أداء مهامه دون تعطيل من أحدهم، أو بالإجماع، ونتيجة لعدم تكوين المحكمة الدستورية خلقت العديد من الثغرات والنزعات، ولعل ما وضع الملح على الجرح الحصانة التي يتمتع بها النواب والنظام الداخلي للمجلس الذي فشل في وضع حد لحرية الأعضاء داخل البرلمان، وأصبح الشغل الشاغل للنواب هو جذب انتباه الشعب «البووز» بأي وسيلة كانت.

بسبب ما ذكرنا تشوه المشهد السياسي لدى التونسيين خاصة باستفحال الفساد ونخره للاقتصاد وتضرر معيشة المواطن فكان اللوم الأول والأخير للحزب الحاكم نتيجة عجزه عن السيطرة على الوضع، السؤال الذي يتبادر في ذهن العاقل هنا هل تتحمل حركة النهضة كل الذنب كونها الحزب الحاكم في البلاد وتكون باقي الأحزاب بعيدة على الحساب؟ أم أن النظام القائم يفرض على الحزب الفائز بأعلى الأصوات أن لا يحتكر الحكم ويتقاسم مهامه مع باقي الأحزاب ولكن عند المحاسبة والمساءلة لا يسأل غيره؟ هل يدخل هذا البند في العقد الذي أبرم بينه وبين الشعب؟ شهر قدمه رئيس الجمهورية للشعب ووعده بمحاسبة الفاسدين في البلاد من خلاله، فهل ستكون هذه المدة قادرة على إرجاع تضحية الشعب بإرادته التي صاغها في الدستور؟ أم ستتواصل تضحية التونسيين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد