لا شكَ أنَ تونس تعتبر من البلدان العربية القليلة التي نجحت ثورتها في العبور إلى ضفّة الأمان، إلا أنّ الثورة لا تزال ترزخ تحت تحديات عديدة تلقي بظلالها على الوضع الداخلي وما يطرحه من إكراهات، وكذلك الوضع الإقليمي، وما يطرحه من تساؤلات.

فبالرغم من التحديات المطروحة والرهانات المفروضة كانت الثورة التونسية بمثابة «الحصان الأسود» للثورات العربية؛ إذ نجت من الدخول في نفق الحروب الأهلية، والانقسامات الاجتماعية، أو عودة الديكتاتورية، لكن لازالت المخاطر تتهددها إلى حدّ الساعة بسبب عجز طائر الثورة عن الإقلاع بعيدًا عن مناطق الخطر.

الشجاعة السياسية حجر الزاوية المفقود

إنَّ تعاقب الحكومات إثر الثورة لم يعط حلولًا جديدة للمشهد السياسي والاقتصادي التونسي بسبب افتقارها إلى عنصر الشجاعة السياسية، فنلاحظ أنَّ جلّ الحكومات قد اعتمدت سياسة الهروب إلى الأمام، ومبدأ عدم المواجهة؛ الأمر الذي أدّى إلى مزيد من تردّي الوضع، ومواصلة الثورة للانحدار نحو الهاوية، فعنصر الشجاعة السياسية يعتبر عنصرًا حاسمًا في النهوض بالأوطان وإبعادها عن التشتّت والدمار، فقد أشار جون كيندي في كتابه ضروب من الشجاعة أنَ «الأزمات الكبيرة تخلق رجالًا عظامًا وأعمالًا كبيرة من الشجاعة». فاتخاذ رجل السياسة لقرارات تصب في صالح الوطن، لكن من شأنها أن تفقد دعم عدة أطراف يمكنها أن تنهي مسيرته السياسية هي حجر الزاوية المفقود في السياسة التونسية التي تعتمد على سياسة «المشاورة قبل المناورة»، والتي منطقها تجنب الخصام والتشبث بالإبقاء على الظروف الراهنة والابتعاد عن الشقاق.

فهي إذًا سياسة تجنب المواجهة، وهو ما يجعل المشاكل والصعوبات التي تواجهها الثورة، خاصة على المستوى الإقتصادي والاجتماعي، والتي تتطلب حزمة من القرارات الجريئة أشبه بالورم الخبيث الذي يتجاهله صاحبه فيستفحل، ويستشري في كامل الجسم حتى يصيره عاجزًا، ثمّ ميّتًا ولعلّ افتقار الساحة السياسية التونسية لرجال شجعان في مواقع القرار يجمعون بين الحكمة والشجاعة ويسيرون على صراط المصلحة العليا للبلاد قد أضاع أمل التونسيون في مستقبل أفضل وجعل الشعب التونسي ينساق وراء موجات الشعبوية التي أصبحت موضة السنوات الأخيرة، وهو ما بيّنته نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في هو ما يوحي بأنّ الثورة قد تكون على مشارف الهاوية.

الشجاعة السياسية في ظلَ مشهد سياسي يحكمه منطق «ليَ الذراع»

إن المتأمل في المشهد السياسي التونسي يلحظ وجود صراع يدور رحاه بين الحكومة والبرلمان من جهة وبين الحكومة واتحاد الشغل من جهة أخرى، بالإضافة إلى صراع اتحاد الشغل، واتحاد الأعراف من جهة ثالثة، وكذلك هشاشة البرلمان وعجزه عن القيام بدوره التشريعي خاصة بخصوص القوانين التي يتطلّب التصويت عليها الحصول على أغلبية مطلقة بسبب النظام الانتخابي الذي يعتمد التمثيل النسبي بهدف إرساء تعددية حزبية حيث إن هذه التعددية لم تزد المشهد السياسي إلاَ تصدُّعًا، ولم تزد الحكومات إلاًّ صداعًا؛ إذ إنَّ انسحاب حزب وحيد من الائتلاف الحكومي كفيل بأن يجعل الحكومة في مهبَّ الريح ويجعلها خاضعة للابتزاز السياسي، وما وضعية عدم الاستقرار الحكومي إلا خير دليل على ذلك، فالنظام السياسي والانتخابي الذي خيَّرت السلطة التأسيسية في تونس اعتماده خلق مشهدًا مأسويًا غابت عنه روح القيادة والرؤية الإستراتيجية في ظل ثورة توقع منها التونسيين أن تأتي برياح التغيير الحقيقي، لكن التغيير اقتصر على فقط على الأسماء.

وما زال لم يشمل بعد طرق تسيير الدولة ومعالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي المهدد بالانفجار، الأمر الذي ينبئنا بأن المرض سيستفحل بالطائر مكسور الجناح، وسيصبح بفضل ذلك عاجزًا عن الطيران إلى الأبد، وهو ما يؤدي إلى التساؤل، ونحن اليوم على أبواب حكومة جديدة، فهل ستضمد الحكومة جناح الطائر المكسور من خلال اعتمادها على الشجاعة السياسية أم ستتركه عاجزًا عن الطيران إلى الأبد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد